صوت العدالة- ع.الطوسي
احتضنت مدينة سطات مساء السبت 14 مارس 2026 ندوة فكرية نظمتها الكتابة الإقليمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في إطار أنشطتها الإشعاعية الرامية إلى تعميق النقاش العمومي حول القضايا الوطنية الكبرى، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية في ظل التحولات الدولية المتسارعة.
الندوة التي احتضنتها غرفة التجارة والصناعة والخدمات بسطات حملت عنوان: “الصحراء المغربية بعد القرار الأممي 2797: سيناريوهات محتملة وآفاق ممكنة”، وشارك في تأطيرها كل من الصحافي والكاتب السياسي عبد الحميد الجماهري، والأستاذ الجامعي والمحامي حسن الخطابي، فيما تولى تسيير أشغالها الباحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب الدكتور عبد الإله طلوع.
وشكل اللقاء مناسبة لقراءة مستجدات ملف الصحراء المغربية في ضوء القرار الأممي قرار مجلس الأمن 2797، إلى جانب مناقشة التحولات الدبلوماسية التي يعرفها النزاع في السياقين الإقليمي والدولي.
في مداخلته، قدم عبد الحميد الجماهري عرضاً تحليلياً للتطورات التي شهدها الملف في المرحلة الأخيرة، مشيراً إلى أن المسار الدبلوماسي عرف ثلاث محطات أساسية شكلت منعطفاً مهماً في طبيعة النقاش الدولي حول القضية.
وأوضح أن الاجتماع الأول كان لقاءً سرياً انعقد في الولايات المتحدة الأمريكية، فيما احتضنت مدريد الاجتماع الثاني الذي كشف بلاغه الرسمي عن حضور الأطراف الأربعة المعنية بالنزاع: المغرب، الجزائر، جبهة البوليساريو وموريتانيا، تحت إشراف مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.
وأشار إلى أن هذه اللقاءات لم تكن مفاوضات رسمية بالمعنى الكلاسيكي، بقدر ما كانت محادثات تمهيدية تعكس انتقال الملف إلى مرحلة جديدة من التعاطي السياسي، تقوم أساساً على البحث عن حل سياسي واقعي ومستدام في إطار تنفيذ مضامين القرار الأممي.
كما توقف عند الاجتماع الثالث الذي انعقد يومي 23 و24 فبراير، حيث بدأ النقاش يتجه نحو تفاصيل أكثر دقة تتعلق بمضامين الحلول الممكنة، خاصة ما يرتبط بمسألة تقرير المصير التي انتقلت من مستوى الشعارات العامة إلى مستوى النقاش العملي حول آليات التسوية.
وفي تقييمه لمستقبل النزاع، اعتبر الجماهري أن الحديث عن نهاية قريبة للنزاع أو استسلام الأطراف الأخرى يبقى تصوراً متسرعاً، مؤكداً أن الجزائر لا تزال تعتمد أسلوب المناورة السياسية والدبلوماسية، وتسعى إلى إيجاد مخرج مريح لهذا الملف في ظل سياق إقليمي ودولي يتسم بضعف نسبي في شبكة تحالفاتها.
وأضاف أن الجزائر قد تراهن على عامل الزمن وانتظار تغير موازين القوى في عدد من الملفات الدولية والإقليمية المرتبطة بالتحولات الجيوسياسية الراهنة.
من جهته، أكد الأستاذ حسن الخطابي أن مثل هذه الندوات الفكرية والعلمية تشكل فضاءً مهماً للنقاش الرصين حول القضايا الوطنية الكبرى، وتساهم في تعزيز الوعي الجماعي بأبعادها التاريخية والسياسية.
وتوقف عند الدور التاريخي الذي لعبه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الحياة السياسية والثقافية بالمغرب، معتبراً أنه لم يكن مجرد تنظيم سياسي، بل شكل مدرسة فكرية ساهمت في إنتاج نخبة من المفكرين الذين أثروا النقاش العمومي المغربي.
وفي هذا السياق استحضر عدداً من الرموز الفكرية المرتبطة بالحزب، من بينهم محمد جسوس وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري، مبرزاً ما قدموه من إسهامات بارزة في مجالات الفكر السياسي والاجتماعي والفلسفي.
وأكد الخطابي أن تناول قضية الصحراء المغربية يقتضي التمييز بين مستويين من الخطاب: خطاب داخلي يعبر عن القناعة الوطنية الراسخة بعدالة القضية، وخطاب خارجي ينبغي أن يستند إلى الحجج التاريخية والقانونية لإقناع الرأي العام الدولي بعدالة الموقف المغربي.
كما استعرض الامتداد التاريخي للمجال المغربي، مشيراً إلى أن نفوذ المغرب اتسع خلال عهد الدولة المرابطية ليصل إلى حدود السنغال، فيما امتد خلال فترة الدولة السعدية إلى مناطق من مالي والنيجر، وهو ما يعكس عمق الامتداد التاريخي للمجال المغربي في المنطقة.
وتطرق كذلك إلى عدد من المحطات التاريخية المؤثرة، من بينها اتفاقية فاس 1912 التي كرست نظام الحماية، إضافة إلى حرب تطوان 1859–1860، وكذا معاهدة لالة مغنية 1845 التي ارتبطت بإعادة رسم الحدود بما يخدم المصالح الاستعمارية آنذاك.
وأشار أيضاً إلى الدور التاريخي للمقاومة المغربية في مواجهة الاستعمار، مبرزاً أن من أوائل شهداء معارك التحرر كانوا من منطقة الشاوية بإقليم سطات، في دلالة على انخراط مختلف مناطق المغرب في معركة الدفاع عن السيادة الوطنية.
واعتبر الخطابي أن المسيرة الخضراء 1975 شكلت ملحمة وطنية جسدت وحدة المغاربة حول قضيتهم الوطنية، وأسفرت عن توقيع اتفاقية مدريد 1975 التي أنهت الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء.
وقد عرفت الندوة تفاعلاً لافتاً من طرف الحاضرين الذين ساهموا في إثراء النقاش من خلال مداخلات وأسئلة تناولت الأبعاد القانونية والسياسية للنزاع، إضافة إلى التحديات المرتبطة بمستقبل القضية الوطنية في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها النظام الدولي.







