خبراء وأكاديميون يدعون إلى توظيف العدالة الانتقالية في تفعيل مقترح الحكم الذاتي

Srifi


الرباط – شكل موضوع تفعيل مقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة محور نقاش علمي خلال ندوة وطنية نظمها المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية بشراكة مع المركز المغربي للديمقراطية والأمن وغرفة التحكيم والوساطة، وذلك يوم السبت 7 مارس 2026 عبر تقنية التواصل عن بعد.
وجاء تنظيم هذه الندوة بمناسبة تخليد الذكرى التاسعة لتأسيس المركز، تحت عنوان “مقترح الحكم الذاتي وسؤال التفعيل في ضوء مقتضيات العدالة الانتقالية”، بمشاركة عدد من الباحثين والأكاديميين والخبراء المهتمين بقضايا العدالة الانتقالية والوحدة الترابية للمملكة.
وافتتحت أشغال الندوة بكلمة تقديمية ألقاها المصطفى بوجعبوط، مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية، الذي تولى أيضاً تسيير الجلسة. وأكد أن تنظيم هذا اللقاء العلمي يندرج في إطار فتح نقاش أكاديمي مسؤول حول القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية. وأضاف أن الربط بين مقترح الحكم الذاتي ومبادئ العدالة الانتقالية يتيح مقاربة جديدة لفهم هذا المشروع، ليس فقط باعتباره إطاراً سياسياً لتدبير النزاع، بل أيضاً مدخلاً لتعزيز المصالحة وبناء الثقة وترسيخ أسس الحكامة الترابية الجيدة.
وفي مداخلته، تناول مساعد عبد القادر، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بطنجة ورئيس المركز العلمي الدولي للحوار والمناقشة حول أبعاد جديدة لحقوق الإنسان، البعد الحقوقي لمقترح الحكم الذاتي، مشيراً إلى أن العدالة الانتقالية يمكن أن تشكل إطاراً داعماً لمواكبة هذا المشروع. وأوضح أن مبادئ الإنصاف والمصالحة وجبر الضرر تعد من الآليات القادرة على تعزيز الثقة بين مختلف الأطراف، وتهيئة مناخ سياسي واجتماعي يساعد على إنجاح أي تصور للحكم الذاتي في إطار دولة موحدة تحترم الحقوق والحريات.
من جهته، قدم محمد الزهراوي، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري ومدير مختبر الأبحاث في القانون العام والدراسات القانونية والسياسية بكلية الحقوق بالجديدة، قراءة تحليلية لمقترح الحكم الذاتي من زاوية العلوم السياسية. وأكد أن هذا المقترح يمثل نموذجاً متقدماً للحكامة الترابية، لأنه يفتح المجال أمام مشاركة أوسع للسكان المحليين في تدبير شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مضيفاً أن إدماج مقاربة العدالة الانتقالية في مسار التفعيل قد يسهم في معالجة بعض التراكمات المرتبطة بتاريخ النزاع وتعزيز فرص المصالحة المجتمعية.
وفي مداخلة ذات بعد سياسي وحقوقي، شدد مصطفى المنوزي، رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن، على أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب تمثل مقترحاً استراتيجياً لإيجاد حل سياسي واقعي للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، مؤكداً أن نجاح هذا المشروع يتطلب اعتماد مقاربة تقوم على تعزيز الحكامة الترابية وتمكين الفاعلين المحليين من المشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام.
بدوره، قدم أحمد درداري، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بتطوان ورئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات، قراءة استشرافية لآفاق تفعيل الحكم الذاتي، مشيراً إلى أن الانتقال من مرحلة طرح المبادرة إلى مرحلة تنزيلها على أرض الواقع يقتضي توفير مجموعة من الشروط السياسية والمؤسساتية، من بينها تحديد الاختصاصات بين الدولة المركزية والجهة، وتعزيز الديمقراطية التشاركية، وضمان تمثيلية مختلف الفئات الاجتماعية في المؤسسات الجهوية.
أما الباحث والحقوقي سعيد العنزي تاشفين فقد ركز في مداخلته على أهمية المقاربات الحقوقية في معالجة النزاعات ذات الطابع السياسي، معتبراً أن آليات العدالة الانتقالية مثل كشف الحقيقة وجبر الضرر والمصالحة يمكن أن تسهم في تهيئة المناخ الملائم لتفعيل الحكم الذاتي وتعزيز الثقة بين مختلف الأطراف.
وفي السياق ذاته، تطرق محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، إلى الأبعاد الاستراتيجية والجيوسياسية المرتبطة بالمبادرة المغربية، مشيراً إلى أن التحولات الإقليمية والدولية الراهنة تعزز فرص تبني مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي ومستدام للنزاع، خاصة في ظل تنامي القناعة لدى عدد من الفاعلين الدوليين بضرورة البحث عن حلول سياسية عملية تضمن الاستقرار والتنمية في المنطقة.
واختتمت المداخلات بكلمة بوبكر لاركو، الرئيس السابق للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، الذي شدد على أهمية المقاربة الحقوقية في معالجة النزاعات السياسية، مؤكداً أن تعزيز ثقافة الحوار والمصالحة يشكل مدخلاً أساسياً لتحقيق الاستقرار والتنمية وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.
وخلصت الندوة إلى مجموعة من التوصيات، أبرزها أن مقترح الحكم الذاتي يشكل إطاراً واقعياً لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، وأن تفعيله يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الإصلاحات المؤسساتية وتعزيز المشاركة السياسية والتنمية الترابية. كما دعا المشاركون إلى إعمال مبادئ العدالة الانتقالية في هذا المسار، لما توفره من آليات لتعزيز المصالحة وجبر الضرر وترسيخ الثقة، بما يهيئ الظروف الملائمة لتنزيل مشروع الحكم الذاتي في إطار دولة موحدة قائمة على الديمقراطية والحكامة الجيدة.

1000475916