بقلم: عبد الكبير الحراب
تواصلت، اليوم الخميس 5 مارس، جلسات الاستماع والمرافعات في الملف المعروف إعلاميًا بقضية “إسكوبار الصحراء”، المعروض على أنظار غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، والذي يتابع فيه عدد من المتهمين، من بينهم القياديان السابقان بحزب الأصالة والمعاصرة سعيد الناصري وعبد النبي بعيوي، إلى جانب متهمين آخرين.
وخلال جلسة اليوم، خصصت المحكمة حيزًا مهمًا للاستماع إلى مرافعة دفاع المتهمين علال حجي وأحمد حجي، حيث قدم الأستاذ يقيني مرافعة مطولة ركزت أساسًا على مناقشة وسائل الإثبات المعتمدة في الملف، مع استحضار المبادئ الدستورية المرتبطة بقرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
وأكد الدفاع في مستهل مرافعته أن الإثبات في المادة الجنائية يقوم على مبدئين أساسيين، يتمثلان في حرية الإثبات بجميع الوسائل المشروعة، والاقتناع الصميم للقاضي، الذي يبني قناعته استنادًا إلى ما يعرض أمامه من عناصر واقعية وقانونية خلال أطوار المحاكمة.
واعتبر المحامي أن وسائل الإثبات المعتمدة في هذا الملف تثير عدة إشكالات قانونية، مشيرًا إلى أن المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية تجيز إثبات الجرائم بمختلف الوسائل، غير أن هذه الوسائل ينبغي أن تظل محكومة بضوابط الشرعية القانونية. وفي هذا الإطار، سجل أن الملف يعتمد أساسًا على تصريحات وصفها بأنها لا ترقى إلى مستوى الشهادة القانونية.
وأوضح الدفاع أن المشرع المغربي يميز بوضوح بين “التصريح” و“الشهادة”، لكون الشهادة تستوجب أداء اليمين القانونية، بينما يظل التصريح مجرد معطى قابل للنقاش والتقييم من طرف المحكمة، مستندًا في ذلك إلى مقتضيات المادة 291 من قانون المسطرة الجنائية.
وتوقف الدفاع عند ما اعتبره إشكالية تتعلق بوجود مسطرتين منفصلتين داخل الملف. الأولى تعود إلى أكتوبر 2023، وتتعلق بحجز كمية من مخدر الشيرا بلغت نحو 75 كيلوغرامًا، بينما تعود المسطرة الثانية إلى دجنبر من السنة نفسها، وترتبط بحجز كمية كبيرة من المخدرات قُدرت بحوالي 40 طنًا، وذلك بالاستناد إلى مسطرة مرجعية تعود إلى سنة 2015.
وفي هذا السياق، أوضح المحامي أن الملف المرتبط بقاضي التحقيق لم يسفر عن حجز أي كمية من المخدرات، رغم الإحالة المتكررة على الشحنة نفسها، معتبرا أن هذا الوضع يطرح تساؤلات حول مدى توفر وحدة السبب والموضوع بين المسطرتين.
كما خصص الدفاع جزءًا من مرافعته لمناقشة تصريحات الحاج أحمد بنبراهيم، المعروف بلقب “المالي”، والذي يعد من أبرز الأطراف الواردة في الملف، مشيرًا إلى أنه سبق أن صرح بأن علاقته المزعومة ببعض المتهمين تمتد بين سنتي 2006 و2013. غير أن الدفاع اعتبر أن هذه التصريحات تتضمن تناقضات وصفها بالجوهرية، متهمًا المعني بالأمر بعدم قول الحقيقة أمام المحكمة.
وأضاف المحامي أن الشخص المذكور سبق أن ارتبط اسمه بقضايا تتعلق بتزوير وثائق مرتبطة بعدد من الشاحنات والسيارات، في إطار معاملات جمعته بشخص موريتاني، وهي الوقائع التي صدرت بشأنها أحكام قضائية ابتدائية واستئنافية، فضلاً عن قرار صادر عن محكمة النقض.
وانطلاقًا من ذلك، تساءل الدفاع عن مدى مصداقية تصريحات شخص صدرت في حقه أحكام قضائية مرتبطة بتزوير وتغيير الحقيقة، معتبرًا أن الوثائق المدلى بها أمام المحكمة تكشف تناقضات واضحة في أقواله، خاصة فيما يتعلق بتاريخ دخوله إلى المغرب لأول مرة.
كما وجه الدفاع انتقادات للطريقة التي حُررت بها بعض محاضر الشرطة القضائية، مشيرًا إلى وجود محضر مؤرخ في 22 مارس 2023 يتحدث عن مكالمات هاتفية مزعومة، في مقابل محاضر أخرى غير موقعة بتاريخ 22 أكتوبر 2023. واعتبر أن عدم توقيع موكله علال حجي على أحد المحاضر قد يكون مؤشرًا على أن مضمونه لا يعكس تصريحاته الفعلية أو أنه أدلى بمعطيات لم يتم تضمينها ضمن المحضر.
وفي السياق ذاته، تساءل الدفاع عن سبب تحرير محضر إضافي في اليوم الموالي، مطالبًا بتوضيح مضمون المكالمات الهاتفية المشار إليها، وكذا تحديد زمان ومكان اللقاءات التي قيل إنها جمعت بين عدد من المتهمين، ومن بينها اجتماع مزعوم ضم حجي وشقيقه والشخص المالي وعبد النبي بعيوي، دون تقديم أدلة تقنية تثبت التموقع الجغرافي أو محتوى الاتصالات.
كما تناولت المرافعة محضرًا يتعلق بشخص يدعى عبد القادر العبدلاوي، ضبطت بحوزته كمية من مخدر الشيرا تقدر بنحو 75 كيلوغرامًا. وأوضح الدفاع أن هذا الأخير، عند الاستماع إليه، لم يذكر اسم موكليه ضمن تصريحاته، مضيفًا أن الهاتف الذي قيل إنه استُخدم في التواصل لم يكن يحمل سوى رقم واحد، وقد حجزته الشرطة القضائية دون العثور على معطيات تثبت وجود تنسيق مسبق أو اتصالات مرتبطة بالاتجار في المخدرات.
وفي معرض حديثه عن التناقضات الزمنية في تصريحات الشخص المالي، أشار الدفاع إلى أن هذا الأخير حصر علاقته بموكليه بين سنتي 2006 و2013، في حين أن أحد الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الملف، وهو سليمان حجي المزداد سنة 1999، كان خلال تلك الفترة قاصرًا لا يتجاوز 14 سنة، متسائلًا عن مدى معقولية هذا المعطى.
كما سجل الدفاع ما وصفه بتناقض تصريحات بعض الشهود، من بينهم نبيل الضيفي وتوفيق زنطار، مشيرًا إلى أن أقوالهم عرفت اختلافات بين مرحلة التحقيق ومراحل المواجهة مع المتهمين. واعتبر أن الحاج أحمد بنبراهيم، الملقب بـ“المالي”، لا يمكن اعتباره شاهدًا في الملف، على اعتبار أنه طرف مشتكي ومطالب بالحق المدني.
وفي سياق متصل، انتقد الدفاع دور مؤسسة قاضي التحقيق في هذا الملف، معتبرًا أنها لم تضف معطيات نوعية بقدر ما ساهمت – بحسب تعبيره – في خلط الأدوار بين المصرحين والشهود والمتهمين وحتى المطالبين بالحق المدني.
وأثار المحامي كذلك تساؤلات حول التهم المرتبطة بمسك المخدرات، موضحًا أن هذا الفعل يفترض وجود استيلاء مادي مباشر على المخدرات، وهو ما اعتبر أنه غير متوفر في الملف. وأضاف أن جرائم المخدرات غالبًا ما توصف بـ“جرائم البصمة”، بالنظر إلى ما تتركه عادة من آثار مادية تسهل عملية الضبط والإثبات، وهو ما قال إنه غير متحقق في هذه القضية.
وأشار الدفاع إلى أن المتهمين تم توقيفهم، وفق روايته، أثناء استقبالهم ضيوفًا قدموا لتقديم واجب العزاء، معتبرا أن هذا المعطى يتعارض مع فرضية التلبس أو الارتباط المباشر بجرائم تتعلق بالمخدرات.
أما بخصوص تهمة المشاركة في مسك المخدرات، فقد اعتبر الدفاع أن عناصر قيامها غير متوفرة في ظل غياب أي دليل مادي يربط موكليه بالمخدرات المحجوزة.
وفي ما يتعلق بتهمة الارتشاء، أكد المحامي أن هذه الجريمة تقوم قانونًا على ثلاثة أركان أساسية، هي وجود الراشي والمرتشي والمنفعة. وأوضح أن الملف، بحسب ما قدمه الدفاع، يفتقر إلى أحد هذه الأركان، مبرزًا أن الشخص المعني بالأمر جندي عسكري متقاعد، الأمر الذي يطرح إشكال الصفة القانونية المطلوبة لقيام جريمة الرشوة.
وختم الدفاع مرافعته بالتذكير بقرار صادر عن محكمة النقض اعتبر أن أي ملف لا تتوفر فيه الأركان الثلاثة لجريمة الرشوة لا يمكن أن يشكل أساسًا قانونيًا صحيحًا لقيام هذه الجريمة.
وتتواصل جلسات هذه القضية التي تحظى بمتابعة واسعة من الرأي العام، في انتظار استكمال مرافعات الدفاع وباقي الإجراءات المسطرية، قبل أن تحجز المحكمة الملف للمداولة والنطق بالحكم.

