حين يُزهر العدل في ربيع المسؤولية… مولاي إسماعيل احتيتيش وسلالة الوفاء للقانون”

Aziz Benhrimida

بقلم عزيز بنحريميدة

في إطار سلسلتها الخاصة التي تُعنى بالتعريف بالمسؤولين القضائيين الأكفاء، وتسلّط الضوء على النماذج المشرقة داخل منظومة العدالة، تواصل صوت العدالة وفاءها لخطها التحريري القائم على إبراز الكفاءة، وترسيخ ثقافة الاعتراف بالاجتهاد، وتوثيق المسارات المهنية التي تُشكّل قيمة مضافة للمرفق القضائي. فالإشادة بالكفاءات ليست مجاملة، بل هي واجب مهني وأخلاقي يُكرّس الثقة في مؤسسات العدالة ويُعزز صورة القاضي النموذج داخل المجتمع.

ومن بين هذه الأسماء التي تستحق التوقف عندها، يبرز اسم الأستاذ مولاي إسماعيل احتيتيش، رئيس المحكمة الابتدائية باليوسفية، كأحد الوجوه القضائية التي جمعت بين التكوين الأكاديمي العميق، والتدرج المهني المتزن، والحضور المؤسساتي الهادئ والفعّال.

حيث اشتغل الأستاذ احتيتيش قاضياً بالمحكمة الابتدائية بالرشيدية مع الإقامة بمركز أرفود، حيث راكم تجربة ميدانية مهمة في محيط قضائي له خصوصياته الاجتماعية والاقتصادية، ثم انتقل إلى المحكمة الابتدائية بابن جرير، قبل أن يُعيَّن مستشاراً بمحكمة الاستئناف بمراكش.

وقد اشتهر بمساره المتميز في منصب قاضي التحقيق بالغرفة الأولى بمحكمة الاستئناف بمراكش، وهو المنصب الذي يتطلب توازناً دقيقاً بين حماية الحقوق والحريات وضمان حسن تطبيق القانون، ويستدعي قدرة عالية على استيعاب تعقيدات الملفات الجنائية الكبرى. وهناك برزت شخصيته المهنية القائمة على الدقة، والصرامة القانونية، والتحليل العميق للوقائع.

لم يقتصر عطاؤه على العمل القضائي، بل امتد إلى المجال الأكاديمي، حيث عمل أستاذاً بالمعهد العالي للقضاء، مساهماً في تكوين أجيال من القضاة، كما اشتغل أستاذاً جامعياً زائراً ومؤطراً بكلية الحقوق، واضعاً تجربته العملية في خدمة البحث العلمي، ومؤكداً أن القاضي الناجح هو من يجمع بين الممارسة والاجتهاد النظري.

وُلد الأستاذ مولاي إسماعيل احتيتيش بمدينة مراكش سنة 1978، وهو حاصل على الإجازة في شعبة القانون الخاص بميزة امتياز، وعلى دبلوم الدراسات العليا، ثم الدكتوراه في القانون المدني المعمق بميزة مشرف جداً من جامعة محمد الخامس. هذا المسار العلمي الرصين شكّل الخلفية الفكرية لقراراته، وأضفى على عمله القضائي بعداً تحليلياً عميقاً.

عندما عُيّن سنة 2019 كثاني أصغر مسؤول قضائي بالمملكة، كان ذلك التعيين رسالة قوية مفادها أن الكفاءة والخبرة لا تُقاسان بعدد السنوات، بل بعمق التكوين وجودة الأداء وحسن التدبير. وقد برهن من خلال أدائه أن الثقة المولوية التي مُنحت له لم تكن إلا تتويجاً لمسار مستحق، وأن رهانات التجديد داخل الإدارة القضائية يمكن أن تنجح حين تُسند المسؤولية إلى أهلها.

يُعرف الأستاذ احتيتيش بعلاقته المتميزة بمختلف مكونات أسرة العدالة من قضاة ومحامين وموظفين ومساعدي القضاء، حيث يسود تعامله الاحترام المتبادل وروح التعاون المؤسساتي. وفي رئاسته للمحكمة الابتدائية باليوسفية، يحرص على ضمان السير العادي للمرفق القضائي، وتذليل الصعاب أمام المرتفقين، إيماناً منه بأن العدالة خدمة عمومية قبل أن تكون سلطة.

كما أن انتماءه إلى عائلة محترمة ذات تكوين علمي و قانوني رصين، وكون والده النقيب مولاي عبد اللطيف احتيتش، أحد الأسماء القانونية المعروفة بمدينة مراكش، شكّل امتداداً لقيم الانضباط والالتزام والتشبث بأخلاقيات المهنة، وهي قيم انعكست على شخصيته المهنية دون أن تحيد به عن مبدأ الاستقلالية والاستحقاق.

إن تجربة الأستاذ مولاي إسماعيل احتيتيش تُجسّد نموذج المسؤول القضائي الذي يزاوج بين العلم والتجربة، وبين الصرامة القانونية وحسن التدبير الإداري، وبين الاستقلالية وروح الانفتاح. وهو بذلك يقدّم صورة مشرقة عن جيل من القضاة الذين آمنوا بأن خدمة العدالة رسالة قبل أن تكون وظيفة، وأن الثقة مسؤولية مضاعفة تتطلب عطاءً دائماً.

وتبقى مثل هذه النماذج، في منظور صوت العدالة، جديرة بالتعريف والتوثيق، لأنها تعزز الثقة في المؤسسة القضائية، وتؤكد أن العدالة المغربية تزخر بكفاءات قادرة على حمل المشعل بثبات واقتدار