صوت العدالة : حسن بوفوس
إن ما وقع يوم الجمعة 20 فبراير 2026 بدوار زاوية سيدي سليمان جماعة أملو اقليم سيدي افني ، وخاصة بمنطقة بوملال وسيدي علي والشريف، لا يمكن توصيفه قانونياً باعتباره مجرد تقصير إداري أو اضطراب ظرفي في تدبير المجال. بل جريمة بشعة تتوافر فيها، من حيث التكييف القانوني، عناصر الاعتداء على مورد طبيعي محمي وطنيا ودوليا، والإضرار بالتوازن البيئي، والإخلال بواجب الحماية المفروض على السلطات العمومية.
إن اجتياح مئات رؤوس الإبل لمجال شجرة الأركان، وما ترتب عنه من إتلاف فعلي للأشجار، وتعطيل للتجدد الطبيعي للغطاء النباتي، واستباحة لمجال بيئي منظم، يشكل من حيث الأثر والنتيجة فعلاً ضاراً مستمراً، وليس حادثاً عارضاً. واستمرار الضرر زمنياً دون تدخل فعال يرقى، قانونياً، إلى حالة امتناع إداري مكشوف عن القيام بواجب الحماية، وهو امتناع يُرتب المسؤولية متى ثبت العلم بالضرر وإمكانية منعه.
فالإدارة، بحكم القانون، ليست مخيّرة في حماية الموارد الطبيعية وحقوق الساكنة، بل ملزمة بذلك التزاماً صريحاً ومباشراً. والقاعدة المستقرة في الفقه الإداري أن واجب الحماية يترتب عنه واجب التدخل، وأن الامتناع عن التدخل رغم القدرة عليه يشكل خطأ مرفقياً موجباً للمساءلة طبعا في الدول التي تحترم نفسها وتحترم القانون.
وعندما يكون الضرر بيئياً وممتداً، فإن المسؤولية لا تقف عند حدود التقصير، بل قد تمتد إلى الإهمال الجسيم أو سوء استعمال السلطة أو الانحراف في ممارستها، بحسب ما تكشفه الوقائع.
الأخطر أن آثار هذا التدمير لا تقتصر على المجال البيئي، بل تمس حقوقاً جماعية للسكان في الانتفاع المشروع بمواردهم الطبيعية، وفي بيئة سليمة ومتوازنة. وهذه حقوق ذات حماية دستورية ومجالية، لا يجوز تعطيلها بالفعل أو بالامتناع أو بالتساهل الانتقائي في تطبيق القانون.
أما التذرع المتكرر من طرف بعض المنتخبين بكون “سلطة القرار بيد عامل الإقليم”، فلا ينهض قانوناً سبباً للإعفاء من المسؤولية السياسية أو التمثيلية.
فالاختصاص التنفيذي لا يلغي واجب المبادرة، ولا يعطل حق المساءلة، ولا يسقط التزام الترافع والدفاع عن المصلحة العامة.
التمثيل ليس وظيفة شكلية، ولا المصارعة والاقتتال حول توزيع فائض الميزانية والنفخ في ميزانية التيسيير بل التزام قانوني وأخلاقي باليقظة، وبالتبليغ، وبالضغط المؤسساتي، وباستعمال كل الآليات التي يتيحها القانون لحماية الحقوق والمجال.
وعليه، فإن الاحتماء بتدرج السلط أو توزيع الاختصاصات لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة للصمت، ولا إلى غطاء قانوني للفراغ المؤسسي. لأن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يميز بين الفعل والامتناع، متى كان الضرر واقعاً والواجب قائماً.
كما أن استمرار الخطاب الرسمي حول “حماية شجرة الأركان” دون إجراءات ميدانية ملموسة يطرح إشكالاً قانونياً آخر، يتمثل في التناقض بين الالتزام المعلن والسلوك الإداري الفعلي. وهذا التناقض، حين يترتب عنه ضرر، يمكن أن يؤسس لمسؤولية قائمة على الإخلال بواجب التنفيذ أو التقصير في تفعيل السياسات العمومية المعلنة.
إن ما يجري ليس مجرد مسألة تدبير محلي، بل وضع قانوني تتقاطع فيه مسؤوليات متعددة:
مسؤولية حماية المجال البيئي،
ومسؤولية صون الحقوق الجماعية للسكان،
ومسؤولية تفعيل القانون دون انتقائية،
ومسؤولية منع الضرر قبل وقوعه لا الاكتفاء بتسجيله بعد استفحاله.
القانون واضح في هذه المسألة:
كل سلطة تعلم بوجود ضرر بيئي جسيم ومستمر، وتمتلك وسائل منعه أو الحد منه، وتختار عدم التدخل… تتحمل مسؤولية ذلك الضرر بقدر ما تتحمل مسؤولية الفاعل المباشر.
ولهذا فإن ما يجري اليوم بدوار زاوية سيدي سليمان ليس مجرد واقعة مؤلمة… بل ملف مسؤولية قائم الأركان.
مسؤولية ستظل قائمة ما دام الضرر قائماً، وما دام الامتناع مستمراً، وما دام واجب الحماية لم يُفعّل كما يقتضيه القانون.
شجرة الأركان هنا ليست فقط ضحية رعي جائر، بل ضحية فراغ في التنفيذ، وصمت في موقع الواجب، وتعليق غير مشروع المقتضيات الحماية القانونية.




