بقلم: عزيز بنحريميدة – مدير جريدة صوت العدالة
يعد عزيز كمال الإدريسي أحد الوجوه الأمنية التي راكمت تجربة ميدانية طويلة داخل جهاز الشرطة القضائية، بمسارٌ مهني امتد لسنوات من العمل الصامت، بعيداً عن الأضواء، وقريباً من تفاصيل الواقع الأمني اليومي.
فلم يكن صعود الإدريسي إلى رئاسة الشرطة القضائية بولاية أمن الدار البيضاء وليد لحظة أو قرار عابر، بل نتيجة مسار مهني متدرّج انطلق من العمل الميداني داخل فرق البحث والتحقيق، مروراً بتولي مسؤوليات محلية في عدد من المناطق الأمنية الحساسة، قبل أن يشغل منصب نائب رئيس المصلحة الولائية للشرطة القضائية، ثم رئيسها لاحقاً، في واحدة من أكبر الولايات الأمنية بالمملكة وأكثرها تعقيداً على مستوى الجريمة والملفات الجنائية.
هذا التدرج المهني يعكس طبيعة مدرسة أمنية قائمة على التكوين الميداني قبل الإداري، حيث يُنظر إلى الإدريسي داخل الأوساط المهنية باعتباره رجل تحقيق قبل أن يكون مسؤولاً إدارياً، جمع بين تجربة البحث الجنائي ومعرفة دقيقة بخريطة الجريمة الحضرية، خصوصاً في مدينة مثل الدار البيضاء التي تُعد مرآة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في المغرب.
ارتبط اسمه بعدد من العمليات الأمنية التي همّت تفكيك شبكات إجرامية، ومتابعة ملفات الاتجار بالمخدرات، والجرائم المنظمة، وقضايا الاعتداءات الخطيرة، وهي ملفات تتطلب تنسيقاً دائماً بين الشرطة القضائية والنيابة العامة ومختلف المصالح الأمنية. هذا التنسيق لم يكن مجرد إجراء إداري، بل شكل ركيزة أساسية في تدبير قضايا معقدة تحتاج إلى سرعة في التدخل ودقة في جمع الأدلة وربط المعطيات.
ويُجمع عدد من المتتبعين للشأن الأمني أن أسلوب الإدريسي يقوم على العمل الهادئ والفعّال، بعيداً عن الاستعراض الإعلامي، مع تركيز واضح على النتائج الميدانية، وهو ما جعل حضوره داخل المؤسسة الأمنية يوصف بكونه حضوراً عملياً أكثر منه خطابياً. فالرجل ينتمي إلى جيل من المسؤولين الذين تشكّلت خبرتهم في الميدان، حيث تُقاس الكفاءة بقدرة المسؤول على تفكيك الشبكات الإجرامية وتدبير الملفات الحساسة أكثر من أي اعتبار آخر.
كما أن موقعه على رأس الشرطة القضائية بولاية الدار البيضاء يضعه في قلب توازن دقيق بين متطلبات الأمن واحترام المساطر القانونية وضمان حقوق المتقاضين، في سياق يعرف فيه المغرب تطوراً ملحوظاً في منظومة العدالة وتعزيز دور الشرطة القضائية كشريك أساسي للنيابة العامة في البحث والتحقيق.
ولا تنفصل تجربة الإدريسي عن التحولات التي يعرفها جهاز الأمن الوطني في السنوات الأخيرة، سواء من حيث التحديث التكنولوجي أو تعزيز آليات البحث العلمي والتقني، أو تطوير أساليب محاربة الجريمة المنظمة، وهي تحولات فرضت على المسؤولين الأمنيين امتلاك رؤية جديدة تجمع بين الخبرة الميدانية والتأهيل القانوني والتقني.
إن الحديث عن عزيز الإدريسي لا يقتصر على مسار فردي بقدر ما يعكس نموذجاً لمسؤول أمني تشكّل داخل مدرسة الانضباط والتدرج المهني، حيث تتراكم التجربة عبر السنوات وتُصقل في مواجهة تحديات الميدان. نموذج يختزل صورة رجل الأمن الذي يعمل في الظل، ويظهر أثره في النتائج التي تتحقق على الأرض، وفي الإحساس العام بالأمن الذي يعيشه المواطن.
وفي الوقت الذي اصبحت تتسارع فيه التحولات الأمنية وتتداخل فيه أنماط الجريمة التقليدية مع الجرائم الحديثة، تظل مثل هذه الكفاءات إحدى ركائز استقرار المنظومة الأمنية، وواجهة من واجهات العمل المؤسساتي الذي يقوم على المهنية والالتزام والمسؤولية.
هكذا يستمر مسار رجل اختار أن يكون قريباً من الميدان، وأن يجعل من العمل الأمني اليومي عنواناً لمسيرته، في مدينة لا تنام، وملفات لا تتوقف، ومسؤولية تفرض الحزم بقدر ما تتطلب الحكمة

