يُجمع كثير من المغاربة على أن التعليم في المغرب يقف اليوم عند مفترق طرق، فبينما تتحدث الدولة منذ سنوات عن الإصلاح، وتُطلق برامج واستراتيجيات مثل خارطة الطريق 2022-2026 التي أطلقتها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، لا يزال الواقع داخل عدد كبير من المدارس العمومية يكشف عن اختلالات عميقة تجعل سؤال الإصلاح الحقيقي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
الاكتظاظ: عندما يصبح القسم عائقاً أمام التعلم
من أبرز المشاكل التي تواجه التعليم في المغرب الاكتظاظ داخل الفصول. في عدد من المؤسسات، خاصة في المناطق الحضرية التي تعرف نمواً سكانياً سريعاً، يصل عدد التلاميذ إلى 40 تلميذاً في بعض الأقسام. في مثل هذا الوضع، يصبح من الصعب على الأستاذ أن يمنح كل تلميذ الاهتمام اللازم، ويتحول التعلم إلى عملية جماعية سطحية بدل أن يكون تجربة فردية تُراعي قدرات كل طفل.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض المناطق تعيش وضعاً أكثر تعقيداً، حيث يُضطر التلاميذ إلى الدراسة بنظام نصف يوم فقط بسبب نقص الحجرات. في مناطق مثل مدينة بوسكورة، يدرس فوج من التلاميذ في الفترة الصباحية، بينما يدرس فوج آخر في الفترة المسائية. هذه المدة الزمنية المحدودة لا تكفي لتقديم تعليم متكامل، ولا تسمح بإنجاز الأنشطة التطبيقية أو ترسيخ الفهم العميق للدروس، بل تقتصر غالباً على إنهاء المقرر في حدوده الدنيا.
دون ان نتحدث عن المناطق القروية التي تعرف شحاً كبيرا في عدد المدارس، وصعوبة الوصول إليها، وتحتاج إصلاحا جدياَ لمحاربة الهدر المدرسي.
كما ولابد أن نتطرق إلى رغبتنا في رؤية مدارس عمومية تتوفر على مرافق ملائمة للتعلم ولاستقبال الأطفال والمراهقين، ومعدات وأجهزة ترتقي بصورة المملكة المغربية.
هذا الواقع يطرح سؤالاً أساسياً، كيف يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون بناء مدارس كافية تتوفر على الشروط اللازمة لاستقبال التلاميذ، وتوزيعها بشكل عادل في جميع ربوع المملكة، والقضاء على الاكتظاظ الذي يُضعف جودة التعلم من الأساس؟
مناهج تحتاج إلى تحديث حقيقي
الإصلاح لا يرتبط فقط بالبنية التحتية، بل أيضاً بالمناهج. لا يزال التعليم في كثير من مراحله، من الابتدائي إلى الثانوي، يعتمد بشكل كبير على الحفظ والاسترجاع بدل الفهم والتحليل. بينما تتجه الأنظمة التعليمية العالمية إلى تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات، يجد عدد من التلاميذ أنفسهم أمام مناهج روتينية وامتحانات تقيس قدرتهم على التذكر أكثر مما تقيس قدرتهم على الفهم والابداع.
ما يحتاجه التعليم المغربي هو تغيير فلسفة التعليم والتقييم، بحيث تصبح الامتحانات وسيلة لإثبات فهم التلميذ واستيعابه، وليس مجرد اختبار مؤقت ينتهي بانتهاء يوم الامتحان، ومنهجاً ينمي عقل التلميذ ويطوره لكي ينتج لنا أفراداً للمستقبل نستطيع الاعتماد عليها في بناء هذا الوطن.
معضلة اللغات، سنوات من الدراسة دون قدرة على التواصل
من أكثر النقاط التي تثير القلق أن عدداً كبيراً من التلاميذ في المدارس العمومية يصلون إلى المرحلة الثانوية بعد سنوات طويلة من دراسة اللغات، لكنهم لا يستطيعون التحدث بها بطلاقة. هذه المشكلة لا ترتبط بقدرة التلميذ، بل بطريقة التدريس التي تركز غالباً على القواعد والتمارين الكتابية، دون إعطاء مساحة كافية للتواصل الشفهي.
تعلم اللغات يجب أن يتحول إلى تعلم حيّ قائم على الحوار والممارسة اليومية، لأن اللغة ليست مادة دراسية فقط، بل أداة للتواصل والانفتاح على العالم.
العلوم بدون أدوات، تعليم نظري بلا اكتشاف؟
في المواد العلمية، تظهر مشكلة أخرى تتعلق بنقص التجهيزات. في بعض المؤسسات، قد يوجد ميكروسكوب واحد فقط لكل المدرسة، ما يجعل عشرات التلاميذ ينتظرون دورهم لرؤية تجربة علمية لبضع ثوانٍ فقط. في هذه الظروف، يفقد العلم جوهره القائم على الاكتشاف، ويتحول إلى معلومات نظرية مجردة.
الاستثمار في المختبرات والتجهيزات العلمية ليس رفاهية، بل ضرورة لتكوين جيل قادر على الابتكار والمساهمة في التقدم العلمي.
تاريخ المغرب: نقص معرفي بجذور عريقة
من المفارقات أن كثيراً من التلاميذ المغاربة لا يعرفون تفاصيل كافية عن تاريخ بلدهم، خاصة الفترات التي سبقت الإسلام، تاريخ الأمازيغ وحتى تاريخ ما بعد الإسلام والتحولات التي شكلت هوية المغرب عبر القرون. إن تعليم التاريخ ليس مجرد مادة دراسية عابرة، بل هو وسيلة لبناء الوعي والانتماء لهذا البلد.
إذا لم يتعلم التلميذ تاريخ بلده في مدرسته، فمن أين سيعرفه؟
اختفاء الأنشطة الموازية وتأثيره على شخصية التلميذ
المدرسة ليست مكاناً لتلقين المعلومات فقط، بل فضاء لتكوين الشخصية. لكن الواقع يظهر تراجعاً واضحاً في الأنشطة الموازية مثل المسرح، والرسم، والمسابقات، والإذاعة المدرسية. هذه الأنشطة تلعب دوراً أساسياً في تنمية الثقة بالنفس والإبداع والقدرة على التعبير، وتكوين شخصية الطفل والمراهق.
كما نجد أيضا غيابا لجوهر مادة التربية، لأنه شئنا ام أبينا تبقى المدرسة هي المكان الذي يقضي فيه التلميذ معظم ساعات يومه، ومساهمة المدرسة في تربية التلميذ وزرع أسس بناء شخصية سليمة ومتزنة أمر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، فالمجتمع المتزن والسوي أساسه التربية السوية، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بمقاربة تكاملية بين الأسرة والمدرسة، وللأسف أصبح غياب مسؤوليتهما الاثنان اتجاه الأطفال والمراهقين يدق ناقوس الخطر نحو مجتمع مُهدم يفقد هويته وأخلاقه وتربيته.
التعليم المتكامل هو الذي يجمع بين المعرفة الأكاديمية والنمو الشخصي، لأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن تعليمه.
الأستاذ في قلب الإصلاح
لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون الاستثمار في تكوين الأساتذة. الأستاذ ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل هو صانع للأجيال. تكوين الأساتذة يجب أن يركز على أساليب التدريس الحديثة، وتنمية الإبداع داخل الفصل، والقدرة على تحفيز التلاميذ ومساعدتهم على التطور المعرفي والنفسي ومواكبة تطورهم.
نحو إصلاح جذري حقيقي
رغم الحديث المتكرر عن إصلاح التعليم، لا نزال نشعر أن الإصلاح الجذري لم يتحقق بعد.
إن إصلاح التعليم في المغرب يحتاج إلى مشروع وطني متكامل برؤية مستقبلية واضحة، يتم الاشتغال عليها باستمرارية لمعالجة جذور المشاكل،وليس مجرد إصلاحات سطحية مرتبطة بحسابات انتخابية لا تغير الواقع. المطلوب اليوم أن يضع المسؤولون مصلحة البلاد فوق أي اعتبار حزبي أو شخصي، وأن ينخرط الجميع في نفس مسار الإصلاح دون انقطاع. فالتعليم ليس ملف مرحلة أو وزير، بل قضية وطن، ويجب أن يستمر الإصلاح الجذري كخيار ثابت مهما تغيرت الحكومات لأن هذا هو الأمل الحقيقي لبناء مستقبل أفضل.
وللتذكير أن الهدف ليس فقط تحسين النتائج الدراسية، بل تكوين جيل قادر على التفكير، والإبداع، والمساهمة في تقدم بلده.
يبقى الأمل قائماً في أن يأتي يوم نرى فيه خريجي المدارس العمومية في أعلى المستويات، لأن المدرسة العمومية كانت دائماً، ويمكن أن تعود، فضاءً لصناعة النجاح والمنفعة للمجتمع.
سلمى الحمدوش.

