بقلم عزيز ينحريميدة
يشكّل جهاز كتابة الضبط أحد الأعمدة الصلبة التي يقوم عليها مرفق العدالة بالمغرب، بل يمكن اعتباره القلب النابض الذي يضمن استمرارية المساطر وسلامة الإجراءات، وحلقة الوصل الأساسية بين مختلف مكونات المنظومة القضائية، من قضاة ونيابة عامة ومحامين ومفوضين قضائيين وعدول وموثقين وخبراء وتراجمة، وصولاً إلى المتقاضين أنفسهم. ورغم هذا الدور المحوري، يظل هذا الجهاز يعمل في صمت، بعيداً عن الأضواء، ولا يعرف المواطن العادي حجم المهام الدقيقة والثقيلة التي يضطلع بها يومياً.
منذ اللحظة الأولى لولوج المواطن إلى المحكمة، يكون جهاز كتابة الضبط حاضراً في كل تفصيل: من تسجيل المقالات والطعون، إلى ضبط الجلسات، وتحرير المحاضر، وتبليغ الاستدعاءات، وتنفيذ المقررات القضائية، ومسك السجلات، وتدبير الأرشيف، ومواكبة مسار الملفات من بدايتها إلى نهايتها. جهاز تبدأ عنده المساطر وتنتهي بين يديه، في سلسلة إجرائية دقيقة لا تحتمل الخطأ، لأن أي خلل بسيط قد يترتب عنه ضياع حق أو تأخير عدالة أو بطلان إجراء.
ولا يخفى على رجال القانون من محامين ومفوضين قضائيين وعدول وموثقين وخبراء وتراجمة أن كتابة الضبط ليست مجرد جهاز إداري تقني، بل هي فاعل حقيقي داخل العملية القضائية. فهي التي تضمن انتظام الجلسات، وتؤمن السير العادي للملفات، وتنسق بين القاضي وباقي الأطراف، وتترجم القرارات إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ. لذلك، فإن كواليس العدالة تكشف بوضوح أن العمل القضائي هو عمل جماعي، وأن القاضي، مهما بلغت كفاءته، لا يمكنه أداء مهمته دون جهاز كتابة ضبط متمرس ومحترف.
إن ما تحققه المحاكم المغربية من حصيلة إيجابية في البت في القضايا وتقليص آجالها وتسريع وتيرة الفصل، يعود جزء كبير منه إلى هذا الجهاز الذي يعمل في صمت، بجهد يومي متواصل، وبتضحيات كبيرة في ظل ضغط الملفات وتزايد القضايا وتعقيد المساطر. فالموظف في كتابة الضبط لا يشتغل فقط داخل مكتب، بل يوجد في قلب ورش يومي متحرك، يتعامل مع مئات المرتفقين، ويواجه ضغط الزمن، ويواكب التحولات التشريعية والرقمية، ويتحمل مسؤوليات قانونية وإدارية جسيمة.
كما أن التحول الرقمي الذي تشهده منظومة العدالة لم يكن ليجد طريقه إلى التنفيذ لولا انخراط أطر كتابة الضبط في تنزيله، سواء من خلال رقمنة الملفات، أو اعتماد التطبيقات المعلوماتية، أو تطوير طرق التبليغ وتتبع القضايا. فهم حلقة التنفيذ الحقيقية لكل إصلاح إداري أو مسطري، وهم من يحول النصوص القانونية إلى ممارسة يومية داخل المحاكم.
ورغم هذا الدور الحيوي، ظل هذا الجهاز لعقود طويلة يطالب بإنصافه مادياً واجتماعياً، وبإعادة الاعتبار لوضعه داخل منظومة العدالة، باعتباره جزءاً لا يتجزأ منها، وليس مجرد جهاز تابع. فالمهام التي يقوم بها تتطلب تكويناً قانونياً وإدارياً عالياً، ومسؤولية كبيرة، واحتكاكاً مباشراً بمصالح المتقاضين، وهو ما يفرض تحسين ظروف العمل، والارتقاء بالوضعية المهنية والاجتماعية، وتحفيز الكفاءات، وضمان الاستقرار الوظيفي.
إن الحديث عن إصلاح العدالة لا يمكن أن يظل محصوراً في النصوص والتشريعات والبنيات، بل يجب أن يشمل الإنسان الذي يسهر على تنزيل هذه الإصلاحات. وموظفو وأطر كتابة الضبط هم في صلب هذا الرهان، لأنهم يشكلون الذاكرة الحية للمحاكم، والضامن لاستمرارية العمل القضائي، والحارس اليومي لسلامة الإجراءات.
ولذلك، فإن إنصاف هذه الفئة ليس مطلباً فئوياً ضيقاً، بل هو ضرورة مؤسساتية لضمان جودة العدالة ونجاعتها. فعدالة قوية لا يمكن أن تقوم إلا على جهاز إداري قوي، محترف، محفَّز، ومحصَّن اجتماعياً. وكل استثمار في كتابة الضبط هو في جوهره استثمار في ثقة المواطن في القضاء وفي الدولة.
إن رجال كتابة الضبط هم بحق جنود الخفاء داخل المحاكم. لا تظهر أسماؤهم في الأحكام، ولا تُسلَّط عليهم الأضواء، لكنهم حاضرون في كل ملف، وفي كل جلسة، وفي كل إجراء. وبين أيديهم تمر حقوق الناس، وآمال المتقاضين، ومسارات القضايا. ولذلك، فإن الاعتراف بأدوارهم، وتثمين مجهوداتهم، وتحسين أوضاعهم، هو اعتراف ضمني بأن العدالة ليست فقط قاضياً يصدر حكماً، بل منظومة متكاملة يقف خلفها رجال ونساء يعملون بصمت من أجل أن تصل الحقوق إلى أصحابها.
ولا تتوقف معاناة أطر كتابة الضبط عند ضغط العمل داخل المحاكم وتعقيد المسؤوليات التي تحملوها لسنوات طويلة، بل تمتد إلى ما بعد الإحالة على التقاعد، حيث يجد كثير منهم أنفسهم أمام واقع اجتماعي صعب وتعويضات هزيلة لا تعكس حجم التضحيات التي قدموها طيلة مسارهم المهني. فبعد عقود من العمل في صمت، والسهر على مصالح المتقاضين، وتحمل ضغط الملفات والجلسات والإجراءات، ينتقل عدد كبير منهم إلى مرحلة الشيخوخة بإمكانيات محدودة لا توازي ما أسدوه من خدمات لمرفق العدالة ولا ما تحملوه من أعباء مهنية ونفسية.
إن وضعية عدد من كتاب الضبط المتقاعدين تطرح أكثر من سؤال حول العدالة الاجتماعية داخل المنظومة نفسها، إذ كيف يمكن لجهاز كان شريكاً أساسياً في تحقيق النجاعة القضائية، وضامناً لاستمرارية المرفق القضائي، أن يجد بعض أفراده أنفسهم في أرذل العمر في مواجهة متطلبات الحياة بتعويضات ضعيفة لا تكفل لهم الاستقرار والكرامة التي يستحقونها؟
هذا الواقع يفرض إعادة التفكير في وضعية هذه الفئة، ليس من باب الامتياز، بل من باب الإنصاف ورد الاعتبار، من خلال مراجعة أنظمة التعويضات، وتحسين ظروف ما بعد التقاعد، وإقرار آليات للحماية الاجتماعية، تضمن حياة كريمة لمن أفنوا أعمارهم في خدمة العدالة دون ضجيج.
فإنصاف أطر كتابة الضبط لا ينبغي أن يقتصر على فترة مزاولتهم لمهامهم، بل يجب أن يمتد إلى ما بعد التقاعد، لأن العدالة التي ينشدها الجميع تبدأ أيضاً بالعدل مع من خدموها بصمت لسنوات طويلة
ليبقى جهاز كتابة الضبط صمام الأمان لاستقرار المرفق القضائي، والفاعل الخفي الذي تبدأ عنده المساطر وتنتهي، والذي بفضله تستمر العدالة في أداء رسالتها داخل المجتمع

