بقلم عزيز بنحريميدة
يظل ملف ما بات يُعرف إعلاميًا بقضية “ولد الفشوش” من أكثر القضايا التي أثارت الجدل داخل الرأي العام، ليس فقط لخطورة الأفعال موضوع المتابعة، ولكن أساسًا بسبب الزخم الإعلامي الكبير الذي رافق أطواره، وما ترتب عنه من ضغط واضح على القضاء، وعلى القضاة المكلفين بالبث فيه.
ومع انتقال الملف إلى المرحلة الاستئنافية، يبرز سؤال مشروع بإلحاح: هل سيتدخل الأستاذ الزحاف، رئيس محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بما يملكه من صلاحيات إدارية وتنظيمية، لتوفير الضمانات اللازمة للقضاة، وحماية الملف من كل أشكال التشويش أو التأثير الخارجي؟
إن الحديث عن “التدخل” هنا لا يعني توجيه الأحكام أو المساس باستقلال القضاء، وإنما المقصود هو ضمان شروط المحاكمة العادلة، وتحصين القضاة من حملات الضغط الإعلامي، ومن تسريبات أو تأويلات تُروج خارج أسوار المحكمة، بما قد يؤثر على السير الطبيعي للعدالة.
وفي هذا السياق، يسود تفاؤل واسع بأن الملف سيأخذ مجراه الطبيعي، خاصة وأنه يوجد اليوم بين يدي هيئة قضائية معروفة ومشهود لها بالنزاهة والاستقلال، يقودها رئيس الهيئة الأستاذ فريح، وهو اسم راكم تجربة قضائية محترمة، ويُشهد له بالكفاءة والرصانة، ما يؤهله للتعامل مع هذا الملف الحساس بحكمة عالية وتجرد كامل، بعيدًا عن أي ضغوط خارجية أو إعلامية يمارسها البعض من خارج المحكمة.
إن ما يطمئن الرأي العام اليوم، هو أن هذه الهيئة قادرة، بما خول لها القانون من صلاحيات، على احتضان الملف والبث فيه وفق ما يمليه الضمير القضائي، لا وفق ما تفرضه عناوين المواقع الإلكترونية أو حملات السوشيال ميديا، التي خاضت في هذا الملف في اتجاه واحد، دون الإحاطة بجميع معطياته، ودون انتظار ما قد يُستجد من وقائع وأدلة.
والأكيد أن المرحلة الاستئنافية لن تكون مجرد إعادة نظر شكلية، بل ستكشف، بحسب معطيات متداولة، عن العديد من المفاجآت والحقائق التي تم التوصل إليها بعد صدور الحكم الابتدائي. غير أن الحرص على سلامة المسار القضائي يفرض عدم حرق المراحل أو الأوراق، إذ من المرتقب أن يتم، في الوقت المناسب، نشر مجموعة من الأدلة والمعطيات التي من شأنها توضيح الصورة الكاملة، سواء للرأي العام أو لهيئة المحكمة.
إن ما يبحث عنه الرأي العام اليوم ليس الإثارة، ولا تصفية الحسابات، ولا التشفي، بل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة. حقيقة تُفضي إلى محاسبة الجناة الحقيقيين، أيًا كانوا، دون توظيف للأسماء، أو الخلفيات الاجتماعية، أو الثروة، كعناصر إدانة جاهزة.
فأن يكون والد المتهم رجل أعمال، أو ذا مال ونفوذ، ليس تهمة في حد ذاته، ولا ينبغي أن تتحول الثروة أو الانتماء الاجتماعي إلى قرينة إدانة، كما لا ينبغي أن يُستعمل “الميكروفون” أو “الترند” في الدفع نحو التشديد، خارج منطق القانون والأدلة.
من هذا المنطلق، تبقى الأنظار متجهة إلى حكمة وتجربة الأستاذ الزحاف، في توفير المناخ القضائي السليم، وحماية القضاة من كل أشكال الضغط، صونًا لهيبة العدالة، وإنصافًا للضحايا، وضمانًا لحقوق جميع المتقاضين.
لأن العدالة لا تُبنى بالصراخ،
ولا تُدار بالانطباعات،
بل تُنطق بالحقيقة…
والحقيقة وحدها.

