بقلم الاستاذة هدى السخي محامية بهيئة الجديدة
أثار مشروع قانون مهنة المحاماة جدلًا واسعًا داخل الأوساط المهنية، وامتد صداه إلى مختلف الفئات المجتمعية، بالنظر لما تضمنه من مقتضيات تشريعية اعتبرها السادة المحامون والسيدات المحاميات خيبة أمل حقيقية ونسفًا للتوقعات التي عُلّقت عليه، ولا سيما في أعقاب التوافقات التي كانت قد أُبرمت بين جمعية هيئات المحامين بالمغرب ووزارة العدل.
ويُجمع المتتبعون على أن الوضع المهني المتأزم الذي تعيشه مهنة المحاماة اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لغياب رؤية استراتيجية واضحة، وافتقار عملية التشريع إلى أدوات دقيقة تُعنى بهندسة نصوص قانونية محكمة، خاصة في مجال حيوي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحقوق والحريات وبضمانات المحاكمة العادلة. وقد أفضى هذا الخلل إلى أشكال احتجاجية غير مسبوقة، من قبيل مقاطعة الجلسات وصناديق المحاكم، في وقت كان الأجدر فيه توجيه الجهود نحو إصلاح هادئ ومسؤول، بعيدًا عن منطق التعطيل وما يترتب عنه من آثار سلبية على السير العادي للعدالة.
ومنذ صدور قانون مهنة المحاماة بالمغرب، والذي استلهم في جوهره التشريع الفرنسي لسنة 1971، واعتمد في كثير من مقتضياته ترجمة شبه حرفية للنصوص المنظمة للمهنة بفرنسا، ظل النقاش قائمًا حول مدى ملاءمة هذا الاقتباس للخصوصية القانونية والاجتماعية الوطنية. غير أن المفارقة اليوم تكمن في أن ما كان يُؤخذ على المشرع المغربي بالأمس، أصبح يُنظر إليه بحسرة مقارنة بما آل إليه مسار التعديلات الراهنة.
فالتشريع الفرنسي، في تنظيمه لمهنة المحاماة، لم يكتفِ باستنساخ قواعد تنظيمية جامدة، بل استند إلى المبادئ الدولية المؤطرة للمهنة، ووضع نصوصًا منسجمة مع طبيعتها، جعلت من استقلال المحامي حجر الزاوية في البناء التشريعي. ويتجلى ذلك بوضوح في المادة الأولى من قانون 31 ديسمبر 1971، التي نصت صراحة على أن مهنة المحاماة مهنة حرة ومستقلة، يمارسها المحامي في احترام تام لمبادئ الكرامة والضمير والاستقلال والنزاهة والإنسانية، مع إخضاعه لواجب السر المهني باعتباره ضمانة جوهرية لحقوق المتقاضين.
كما وسّع المشرع الفرنسي من مهام المحامي بموجب المادة 1-1، التي أسندت إليه صراحة مهام المشورة والتمثيل والمساعدة والدفاع، لفائدة الأشخاص الذاتيين والمعنويين، سواء كانوا من القطاع العام أو الخاص. وأكدت المادة الثالثة بدورها أن ممارسة المهنة، سواء بشكل فردي أو جماعي، يجب ألا تمس باستقلال المحامي أو بكرامة المهنة. أما المادة 19 فقد وضعت قيودًا دقيقة على الإشهار المهني، بما يضمن التوازن بين حق الإعلام وحماية القيم الأساسية للمهنة، في حين شددت المادة 21 على أن كل إخلال بالواجبات المهنية أو الأخلاقية يعرّض المحامي للمساءلة التأديبية.
وفي السياق ذاته، يبرز الدور المحوري لنقيب المحامين في فرنسا، لا سيما في ما يتعلق بتحديد أتعاب المحاماة، حيث خوّله المشرع، بموجب المرسوم رقم 91-1197، اختصاصًا أصيلًا في البت في النزاعات المرتبطة بالأتعاب والمصروفات، مع إقرار مبدأ التنفيذ المعجل لقراراته، بموجب مرسوم 11 ديسمبر 2019، وذلك تفاديًا لطول أمد المنازعات القضائية التي أثبتت الإحصائيات الرسمية تأثيرها السلبي المباشر على التوازن المالي لمكاتب المحاماة بفي حالة وجود نزاعات.
وفي موازاة ذلك، خطا التشريع والتنظيم المهني في فرنسا خطوات متقدمة في مجال تكريس مبدأ المساواة بين الجنسين داخل المهنة، سواء من خلال ضمان التمثيلية المتكافئة داخل الهيئات التمثيلية، أو عبر إدراج مبدأ المساواة ضمن المبادئ الأساسية للمهنة في النظام الداخلي الوطني. وهي إجراءات تعكس وعيًا مؤسساتيًا بضرورة تطوير المهنة، لا عبر تقييدها، بل من خلال تمكينها وتعزيز مكانتها.
وفي مقابل هذا التطور، يجد المحامون بالمغرب أنفسهم اليوم في وضع لا يطالبون فيه بتوسيع المكتسبات أو تطوير الامتيازات، بقدر ما أصبح سقف تطلعاتهم يقتصر على الحفاظ على ما تبقى من حقوق ومكتسبات كانت مضمونة بموجب تشريعات سابقة. وهو ما يعكس، في العمق، أزمة ثقة حقيقية بين الفاعل المهني والفاعل التشريعي.
إن الإكثار من التعديلات التشريعية، دون استحضار متطلبات الاستقرار القانوني، لا يؤدي إلا إلى إرباك المنظومة القانونية وتقويض مبدأ الأمن القانوني، خاصة في سياق تتجه فيه السياسات العمومية نحو التشديد والضبط، بينما تُثقل النصوص المهنية بقيود وضوابط حادة تُضاعف من الأعباء الواقعة على المحامي.
ولا جدال في أن الدور الذي يضطلع به المحامي داخل المجتمع لا يمكن إنكاره أو تهميشه، وأن المساس باستقلال المهنة إنما هو مساس مباشر بالتوازن المجتمعي وبضمانات الحقوق والحريات. ومن ثم، فإن أي تعديل تشريعي يجب ألا يُملى بمنطق سياسي ظرفي، بل ينبغي أن ينبني على فهم عميق للبنية الاجتماعية، ومستوى الوعي القانوني، والواقع التعليمي، بل وحتى نسب الأمية داخل المجتمع، في إطار هندسة تشريعية محكمة تراعي درج النضج القانوني العام.
إن غياب الحوار المؤسساتي الحقيقي، واللجوء إلى منطق الإملاءات، مع تجاهل الضغوط المهنية والاجتماعية التي يعيشها المحامي يوميًا، في ظل مطالب مجتمعية تتسم بالسرعة والنتيجة دون تقدير للمجهود، كلها عوامل ساهمت في تعميق أزمة الثقة. وهي أزمة تُرسل إشارات مقلقة عن مسار تشريعي يُضعف الاستقرار ويهدد الأمن القانوني، بدل أن يعززه.
ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال البعد الاجتماعي لممارسة مهنة المحاماة، ذلك أن المحامي لم يعد يتعامل فقط مع نصوص قانونية وإجراءات مسطرية، بل أصبح يواجه تحوّلًا ملحوظًا في سلوك المتقاضين، حيث ترسّخت لدى فئات واسعة من الموكلين قناعة تختزل العمل القانوني في النتيجة المجردة، دون إدراك لحجم المجهود الذهني، والمسؤولية المهنية، والتعقيد القانوني الذي يلازم مسار الدفاع.
وقد أضحى هذا التحول في مستوى الوعي القانوني المجتمعي مصدر ضغط يومي على المحامي، يضعه في مواجهة توقعات غير واقعية، ويُحَمِّله نتائج لا تكون بالضرورة ثمرة تقصير مهني، وإنما انعكاسًا لطبيعة المنازعات وتعقيد المساطر وتقدير القضاء. ومن ثم، فإن النصوص التشريعية المنظمة لمهنة المحاماة لا يجوز أن تُصاغ بمعزل عن هذا الواقع، بل يتعين أن تراعي مستوى الوعي القانوني السائد داخل المجتمع، وأن توفّر للمحامي الإطار الحمائي اللازم الذي يُمَكِّنه من أداء رسالته في ظروف مهنية متوازنة، تحفظ كرامته وتحصّن استقلاله.
إن تجاهل هذا المعطى الاجتماعي في صياغة النصوص المهنية من شأنه أن يزيد من منسوب الاحتقان داخل المهنة، ويُعمّق الإحساس بالهشاشة المهنية، في وقت يفترض فيه أن يشكّل القانون سندًا للمحامي، لا عبئًا إضافيًا يُثقل كاهله.

