عانى المغرب خلال السنوات الماضية من فترة طويلة من الجفاف ونقص الامطار، أدت الى استنزاف كبير للموارد المائية وفراغ السدود الى حدود الخطر، وهو ما كان ناقوس إنذار يبين هشاشة التوازن المائي والاعتماد المفرط على موسم الأمطار.
وقد أنعم الله علينا خلال هذا الموسم بهطول أمطار غزيرة ومتواصلة أنهت واحدة من أصعب الفترات التي عرفها المغرب من حيث شح المياه والجفاف، وأعادت مستويات السدود إلى ارتفاع ملحوظ، مما وفر أملا للقطاع الفلاحي بعد سنوات عجاف مريرة.
إلا أن هذه الامطار، رغم فوائدها لم تخلو من مشاكل، فعدةمناطق ومدن مغربية شهدت فيضانات مفاجئة تسببت في خسائر كبيرة على الصعيدين المادي والاقتصادي. فحسب تقارير رسميةعانت عدة مناطق منها لقصر الكبير حيث غمرت مياه الوادي بعض الاحياء السكنية، ما أدى إلى خسائر في الممتلكات الخاصة والبنية التحتية وأيضا منطقة شفشاون وتطوان التي عرفت انقطاع طرق رئيسية بسبب السيول، وتضرر المزارع المحلية والحظائر الزراعية. كما سواحل الأطلس والشمال بدورها سجلت أضراراً في المنازل والمخازن، مع تضرر بعض القرى القريبة من مجاري الأودية. لتبقى أسفي واحده من أكثر المناطق التي ترأست هرم الخسائر وذلك بارتفاع عدد الوفيات لـ 37 شخصا على الأقل، وتضرر منشآت تجارية في المدينة القديمة ومنازل كما تضررت بعض الطرق والروابط الأساسية للنقل.
الأسباب بين التدبير البشري والتقدير الرباني
الفيضانات الأخيرة لم تكن مجرد حدث طبيعي، بل نتجت عن تفاعل بين عوامل ربانية وهي الامطار الغزيرة غير المعتادة التي أسهمت في ارتفاع منسوب الأنهار والوديان بسرعة كبيرة، وبين العوامل البشرية والتي يجب الوقوف عليها.
حيث إن ضعف التخطيط العمراني في بعض المناطق، وبناء مساكن بالقرب من مجاري الأنهار وقلة صيانة شبكات الصرف وقنوات الأودية، زاد من تجمع المياه وكان من بين المسببات في الكارثة التي عرفتها بعض مناطق المغرب.
التفكير في المستقبل وما يجب على المسؤولين القيام به!
اليوم، بعد هذه الفيضانات، نجد أنفسنا نتساءل، ما هي الأسباب الحقيقية لهذه الكارثة، وما الذي يجب القيام به على وجه السرعة للحد من المخاطر؟
إن المسؤولية التي على عاتق المكلفين لا تقتصر فقط على رد الفعل والاستجابة السريعة التي يجب أن يقوموا بها بعد الكوارث، بل يجب العمل على التخطيط الصحيح لتفادي الخسائر الناتجة عمايمكن وقوعه.
وهو ما تؤكده رؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس على ضرورة التعبئة الشاملة للمسؤولين ومختلف المتدخلين في مواجهة الكوارث الطبيعية، اعتماد مقاربة استباقية في التخطيط والاستجابة السريعة لحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم.
ورغم أن التفكير في المستقبل والتخطيط له يجب أن يكون من مسؤولية المتقلدين بالمسؤولية إلا أنه لا يمكننا منع أنفسنا من تظافر الجهود من أجل الدفع بتصحيح الوضعية.
أولا بالعمل على تحسين البنية التحتية المائية عبر صيانة السدود وقنوات الصرف وتنظيف الاودية من الرواسب لتسهيل تدفق المياه ومنع الفيضانات، وإنشاء خزانات وسيول صناعية لتفادي تجمع المياه. أيضا التخطيط العمراني والزراعي بمنع البناء في مناطق الفيضانات، وزراعة حواجز نباتية لتثبيت التربة.
يجب أيضا الاشتغال على أنظمة إنذار مبكر لمراقبة مستويات الأنهار والوديان وتحذير السكان قبل وقوع الفيضانات كما يجب الاشتغال على إدارة السدود بشكل استراتيجي من أجل تفريغ تدريجي للمياه لتجنب تصريف كميات كبيرة دفعة واحدة والعمل على الرفع من قدرة السدود على استقبال كميات أكبر من المياه دون الحاجة لتفريغها فجأة.
والعمل على توعية المواطنين والمزارعين بكيفية حماية الممتلكات والمحاصيل أثناء موسم الأمطار.
مشروع الطريق السيَار المائي
وعند التفكير في كل هذه الحلول، يظهر أمامنا مشروع الطريق السيار المائي الذي أطلقته الحكومة المغربية لنقل المياه من مناطق فيها فائض إلى مناطق تعاني من نقص الموارد المائية، والذي قد سبق أن أنجز منه المرحلة الأولى الرابطة بين حوض وادي سبو وأبي رقراق، يعد هذا الحل خطوة ذكية ومهمة من طرف الدولة في تدبير الموارد المائية، غير ان التحدي الحقيقي الان يظل في تسريع وتيرة تنزيله واكماله وتفعيله بالكامل. فمشروع القناة المائية التي تربط بين سد وادي المخازن الذي بلغ نسبة امتلاء %100 وسد دار خروفة القريب من العرائش لا تتجاوز نسبة ملئه 14%هو قيد التنفيذ. وهو مشروع قادر على تقديم فوائد متعددة في آن واحد، من جهة سيسمح بالاستفادة من الفائض المائي عبر ملء سد آخر يعاني من خصاص كبير ومن جهة ثانية سيساهم في تقليص أو تجنب تفريغ السدود الكبرى نحو مناطق سكنية، كما هو الحال بمدينة القصر الكبير التي عانت خلال اليومين الماضيين. وهو ما قد يساعد على تفادي كوارث اخرى محتملة مستقبلا والأضرار التي قد تلحق بالسكان والبنية التحتية نتيجة عمليات التفريغ الاضطرارية.
إن ما حدث هو تنبيه شديد الأهمية للمغرب، يذكرنا أن مواجهة الطبيعة تتطلب توازنًا بين احترام العناصر الطبيعية وإدارة الموارد بشكل سليم، وأن التخطيط المسبق والاستعداد الجيد يمكن أن يحول الكوارث المحتملة إلى فرص لتعزيز التنمية والحفاظ على حياة المواطنين وممتلكاتهم.
سلمى الحمدوش.

