بقلم عزيز بنحريميدة
لم يعد الملف القضائي المعروف إعلاميًا بملف “ولد الفشوش” مجرد قضية جنائية عادية، بل تحوّل، منذ لحظاته الأولى، إلى نموذج صارخ لكيف يمكن أن تنزلق بعض القضايا من فضاء العدالة إلى ساحات التجييش والضغط والاختزال الإعلامي، حين تتداخل الجريمة بعوامل المال والنفوذ والصراعات الخفية.
قضية ابتدأت كجريمة قتل مأساوية أودت بحياة شاب، وانتهت ابتدائيًا بحكم بالإعدام في حق أحد المتهمين، لكنها سرعان ما تجاوزت بعدها الجنائي لتدخل دائرة أكثر تعقيدًا، دائرة تختلط فيها فرضيات تصفية الحسابات، والانتقام غير المباشر من الأب رجل الأعمال، والاستثمار في الرأي العام عبر خطاب شعبوي خطير.
الوقائع الثابتة في الملف تشير إلى أن المتهمين في قضية مقتل الضحية بدر كانوا اربعة أشخاص، غير أن المسار الإعلامي للقضية اختزلها، بشكل مثير للريبة، في متهم واحد فقط، لا لشيء سوى كونه ابن رجل أعمال معروف (اشرف). أما باقي المتهمين الآخرين، فقد غابوا تقريبًا عن النقاش العمومي، وكأن العدالة – في المخيال الجماعي – لا ترى إلا من يحمل “الاسم الثقيل”.
وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه:
هل نحن أمام بحث حقيقي عن العدالة أم أمام صناعة “كبش فداء” إعلامي؟
فمصطلح “ولد الفشوش” لم يكن مجرد توصيف اجتماعي عابر، بل تحوّل في هذا الملف إلى أداة ضغط، وإلى مفتاح تعبئة عاطفية للرأي العام، سُخّر لتوجيه القناعة الجماعية قبل أن يقول القضاء كلمته النهائية.
هذا المصطلح، بما يحمله من شحنة نفسية وانتقام طبقي، جعل ثروة الأب تُقدَّم كـ”ظرف تشديد” معنوي في حق الابن، لا بنص القانون، بل بمنطق الشارع. وهو منطق خطير، لأنه يقلب ميزان العدالة من محاسبة الفعل إلى معاقبة الانتماء الاجتماعي
لا يمكن إنكار أن انتماء المتهم الرئيسي إلى أسرة ميسورة، وكون والده رجل أعمال معروف، شكّل عنصرًا مركزيًا في تضخيم الملف.
غير أن الخطير في هذا المسار هو تحويل الثروة من معطى اجتماعي محايد إلى أداة ابتزاز وضغط وانتقام غير مباشر، حيث جرى، في الوعي الجماعي، الربط التلقائي بين المال والجريمة، وبين النفوذ والإفلات من العقاب، دون انتظار ما ستسفر عنه المحاكمة من معطيات تقنية وقانونية دقيقة
اليوم و مع توالي الجلسات وظهور معطيات وأدلة جديدة، أظن جازما أن الصورة النمطية التي رافقت الملف ستتصدع.
كاميرات المراقبة القريبة من مكان الحادث وثّقت واقعة الاعتداء، لكنها لم تُثبت بشكل قاطع هوية كل المعتدين، كما أن بعض المعطيات التقنية والوقائعية تشير إلى احتمال غياب المتهم اشرف المدان ابتدائيًا عن مسرح الجريمة وقت وقوع الاعتداء.
هذه المعطيات، التي لا يمكن القفز عليها أو التعامل معها بانتقائية، تفرض إعادة قراءة الملف بعيدًا عن الانفعال، وبمنطق قانوني صرف، لأن العدالة لا تُبنى على “الانطباع العام”، بل على الدليل والقرينة والحجة.
ماذا لو لم يكن الأب رجل أعمال؟
سؤال مشروع، بل ضروري.
ماذا لو كان المتهم شابًا من أسرة بسيطة؟
هل كان الملف سيحظى بكل هذا الزخم؟
هل كانت الكاميرات ستُفكك بهذا الشكل؟
وهل كانت التهم ستُبنى على الخلفية الاجتماعية قبل الوقائع؟
الواقع يقول إن جرائم القتل المؤلمة تقع يوميًا، وأبطالها غالبًا من الهامش الاجتماعي، تمر ملفاتهم في صمت، وتُعالج في هدوء قضائي دون أن تتحول إلى “قضايا رأي عام”.
في هذا الملف تحديدًا، يبدو أن ثروة الأب لم تكن حماية للابن، بل تحولت إلى عبء استُغل للضغط والمساومة والابتزاز.
للأسف، انخرطت بعض المنابر الإعلامية – بحسن نية أحيانًا وبسوء نية أحيانًا أخرى – في تضخيم الرواية الأحادية، وساهمت في ترسيخ صورة مسبقة، بدل أداء دورها الحقيقي: التدقيق، والتحقق، واحترام قرينة البراءة.
الإعلام ليس محكمة، ولا يملك حق إصدار الأحكام، وحين يتحول إلى طرف في الصراع، فإنه يسيء للعدالة بقدر ما يسيء للحقيقة.
اليوم، ومع انتقال الملف إلى مرحلة الاستئناف، يعود الأمل في أن يأخذ القضاء المسافة الضرورية من الضجيج، وأن يعيد ترتيب الوقائع بميزان القانون وحده.
قضاء الاستئناف ليس تصحيحًا شكليًا للأحكام، بل هو ضمانة أساسية لإعادة فحص الأدلة، وتمحيص التصريحات، وتقدير القرائن بعيدًا عن الضغط الإعلامي والشعبي.
وهي مرحلة مفصلية، قد تُنصف المظلوم، وقد تُثبّت الإدانة إن ثبتت بالدليل القاطع، وفي الحالتين، تكون العدالة قد أخذت مجراها الطبيعي.
مطلبنا،اليوم كصحافة مسؤولة وكضمير جماعي، ليس الدفاع عن شخص، ولا عن أسرة، ولا عن ثروة، بل الدفاع عن الحقيقة فقط.
إن البحث عن الحقيقة لا يكون بالصراخ، ولا بترديد مصطلحات جاهزة، ولا بتحويل المحاكم إلى ساحات محاكمة شعبية.
العدالة وحدها تملك سلطة الإدانة أو البراءة، والإعلام المهني مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يكون جزءًا من الحل لا جزءًا من الأزمة
الحقيقة التي تنصف الضحية أولًا، وتحاسب الجناة الحقيقيين دون انتقائية، وتحمي الأبرياء من أن يُدانوا فقط لأن أسماءهم كانت سهلة التداول إعلاميًا.
إن توحيد الصف اليوم، لا يعني تمييع الملف، بل يعني احترام استقلال القضاء، وتركه يشتغل في مناخ هادئ، بعيدًا عن التهويل والتخوين والتجييش.
ملف “ولد الفشوش” ليس ملفًا عاديًا، لكنه أيضًا ليس ملفًا يُحسم بالشعارات.
هو ملف معقّد، متعدد الأبعاد، لا يحتمل الأحكام الجاهزة، ولا العدالة الانتقائية.
وفي انتظار ما ستكشفه باقي الجلسات من وقائع وأدلة، يبقى الواجب الأخلاقي والمهني واحدًا:
أن نبحث عن الحقيقة كاملة، لا نصفها… وأن نحاسب الجناة الحقيقيين، لا من صادفتهم الأقدار في المكان الخطأ، تحت اسمٍ ثقيل
فملف “ولد الفشوش” ملف ثقيل، بأحكامه، وبضحاياه، وبالأسئلة التي يطرحها.
لكن ثقله الحقيقي لا يكمن في اسم المتهم، ولا في ثروة عائلته، بل في قدرة العدالة على الوصول إلى الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل جانٍ بقدر فعله، وحماية كل بريء من أن يدفع ثمن صورة نمطية أو تصفية حسابات.
والكلمة الأخيرة، كما يجب دائمًا، ستبقى للقضاء.
—
عزيز بنحريميدة
مدير جريدة صوت العدالة

