الرئيسية آراء وأقلام قراءة في الخطاب الملكي: رسائل ما بعد كأس إفريقيا

قراءة في الخطاب الملكي: رسائل ما بعد كأس إفريقيا

IMG 4723 750x430 2
كتبه كتب في 23 يناير، 2026 - 1:54 مساءً

احرايضي رضى — يأتي بلاغ الديوان الملكي الصادر في أعقاب الدورة الـ35 لكأس إفريقيا للأمم، ليس بوصفه خاتمة بروتوكولية لحدث رياضي، بل باعتباره نصًا مؤطرًا لمرحلة ما بعد البطولة: يوزّع الاعتراف بالجهود، ويضع النتائج في سياقها التنموي، ويفتح باب التقييم الهادئ لما رافق النهائي من أحداث مؤسفة، دون التفريط في جوهر الرسالة الإفريقية للمملكة.

في ما يلي قراءة في أبرز مضامين البلاغ، كما وردت في نصه، عبر محاور خمس تُلخّص “الخطاب” الذي حمله البلاغ: من الشكر الوطني، إلى تثبيت ريادة مغربية، وصولًا إلى تحصين روابط الأخوة الإفريقية.

الاعتراف الجماعي: نجاح الدولة نجاح مجتمع

يستهل البلاغ رسالته بتثبيت معنى أساسي: أن التنظيم لم يكن إنجاز مؤسسة واحدة، بل حصيلة تعبئة وطنية واسعة. وفي هذا الإطار ورد التأكيد الملكي على الامتنان العام: «يعرب صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، عن عميق شكره لكافة مكونات الأمة التي ساهمت بشكل رائع في النجاح الكبير لهذه التظاهرة المتميزة.»

ويُعمّق البلاغ هذا المعنى بتوجيه التهنئة للمواطنين عبر المدن المستضيفة، مؤكدًا أن الرهان الحقيقي هو تحويل حدث قاري إلى لحظة ثقة داخلية وصورة إيجابية خارجيًا: «ويحرص صاحب الجلالة بالخصوص على تهنئة كافة المواطنين عبر مختلف مدن المملكة على الجهود المبذولة… في هذا النجاح التاريخي الذي حظي باعتراف وإشادة العالم أجمع.»

الرسالة هنا واضحة: التنظيم “الاستثنائي” ليس ترفًا، بل معيارًا لنجاعة الدولة حين تتكامل الإدارة مع المجتمع.

المنتخب الوطني: ثمرة خيار استراتيجي لا صدفة رياضية

يتوقف البلاغ عند مسار المنتخب الوطني بوصفه عنوانًا للسياسة الرياضية وثمارها، مبرزًا قيمة الدعم الشعبي الواسع: «كما يوجه جلالة الملك،أعزه الله، عبارات التنويه إلى ملايين المغاربة… عن دعم منتخبهم الوطني، الذي بات يحتل المرتبة الثامنة في التصنيف العالمي.»

ثم ينتقل النص من توصيف النتيجة إلى تفسيرها، واضعًا الإنجاز في إطار التخطيط والاستثمار: «هذه النتيجة المتميزة هي بالخصوص ثمرة سياسة إرادية، عالية الطموح، على المستوى الرياضي وفي مجال البنيات التحتية.»

ويضيف البلاغ عنصرًا ذا دلالة سياسية واجتماعية: مغاربة العالم كقوة وطنية ممتدة، عبر الإشارة إلى: «الاختيار النابع من من الروح الوطنية المتجدرة لأبناء موهوبين من مغاربة العالم بحمل قميص الفريق الوطني والدفاع عن ألوانه بكل فخر واعتزاز.»

إنها، في العمق، رسالة عن وحدة الانتماء وتكامل الرصيد البشري داخل الوطن وخارجه.

البطولة كمرآة للتنمية: قياس “الطفرة النوعية”

يضع البلاغ التنظيم الرياضي في سياق أوسع: أن البطولة، فضلًا عن نتائجها داخل الميدان، كانت مناسبة لاختبار مستوى التحول الذي تعرفه المملكة. ويأتي النص في واحدة من أقوى فقراته تأطيرًا للحدث كمعيار تنموي: «وستظل هذه الدورة محطة بارزة… إذ أنها، فضلا عن نتائجها الرياضية الممتازة، مكنت من قياس الطفرة النوعية التي حققتها المملكة على طريق التنمية والتقدم.»

ويربط البلاغ ذلك بقاعدة تفسيرية مركزية: «بفضل رؤية بعيدة المدى ونموذج مغربي متفرد وفعال يضع المواطن في صلب كل الطموحات.»

في هذه العبارة تتكثف فلسفة كاملة: التنمية ليست مجرد أوراش، بل نموذج حكامة وغاية اجتماعية تتجه إلى المواطن باعتباره مركز السياسات العمومية.

أحداث النهائي: إدانة واضحة ودعوة إلى التروي وإعلاء الأخوة الإفريقية

لا يتجاهل البلاغ ما وقع في الدقائق الأخيرة من النهائي، بل يسميه بما يحمله من قيمة أخلاقية وسياسية، متحدثًا عن «الأحداث المؤسفة»و«وقائع وتصرفات مشينة». لكنه، في الوقت نفسه، يضع سقفًا للتأويل وردود الفعل، داعيًا إلى إعادة الأمور إلى ميزانها الطبيعي بعد انحسار الانفعال: «فإنه بمجرد أن تتراجع حدة الانفعال والعواطف، ستنتصر روابط الأخوة الإفريقية بشكل طبيعي.»

ويُحمّل النص نجاح التنظيم معنى يتجاوز الحدود الوطنية، عبر عبارة مكثفة الدلالة: «حيث إن هذا النجاح المغربي هو أيضا نجاح لإفريقيا كلها.»

ويختم هذا المحور بتثبيت صورة المملكة كبلد قدم للقارة «شهرا من الفرح الشعبي والحماس الرياضي»وأسهم في «إشعاع إفريقيا وكرة القدم بالقارة.»

التحصين ضد التشهير: ثقة في وعي الشعب وتاريخ القارة المشترك

ينتقل البلاغ إلى مواجهة محاولات التشويش، مستعملًا لغة سياسية صريحة ، إذ يشير إلى «التشهير وبعض محاولات النيل من المصداقية»، ويؤكد في المقابل ثقة الملك في مناعة الداخل: «يظل على اقتناع بأن المخططات المعادية لن تبلغ أبدا مرادها، وأن الشعب المغربي يدرك كيف يميز بين الأمور.»

ثم يرفع البلاغ النقاش إلى مستوى الذاكرة التاريخية والروابط العميقة بين الشعوب الإفريقية: «فلا شيء يستطيع أن يمس بالتقارب الذي تم نسجه على مدى قرون بين شعوبنا الإفريقية.»

ويُؤطَّر ذلك بتأكيد هويتي كقارئٍ : «إن المملكة المغربية كانت وستظل بلدا إفريقيا كبيرا وفيا لروح الاخوة والتضامن والاحترام.»

أفق ما بعد البطولة: التزام إفريقي ثابت وفق الرؤية الملكية

في خاتمة البلاغ، لا يقف النص عند حدود الحدث، بل يفتح أفق السياسة الخارجية والالتزام القاري للمملكة، بصيغة تقريرية واضحة: «وطبقا للرؤية المتبصرة لجلالة الملك، فإن المغرب سيواصل التزامه الراسخ والثابت لفائدة إفريقيا موحدة ومزدهرة، لاسيما عبر التقاسم المشترك لتجاربه وخبرته ومهاراته.»

وهي خاتمة تُحوّل البطولة إلى نقطة ضمن مسار أكبر: مسار شراكة إفريقية بعيدة المدى، عنوانها التعاون وتقاسم التجربة.

بلاغ يكتب “ما بعد الكأس”

تُظهر القراءة المتأنية أن بلاغ الديوان الملكي لم يكتف بتثمين التنظيم وتهنئة الفاعلين، بل رسم خطوطًا واضحة لكيفية فهم الحدث: النجاح حصيلة وطن، والإنجاز الرياضي ثمرة سياسة، والتنظيم مرآة تنمية، والأخوة الإفريقية أعلى من لحظة توتر، والمغرب ثابت على التزامه القاري.

وبذلك يتحول البلاغ إلى خطاب جامع: يُنصف المجهود، يُهدّئ الانفعال، ويؤكد أن ما يربح قيمته في النهاية ليس الكأس وحده، بل القدرة على تحويل حدث رياضي إلى محطة وعيٍ وطني ورسالة إفريقية.

مشاركة