الحماية القانونية للكراء التجاري – جريدة صوت العدالةالحماية القانونية للكراء التجاري - جريدة صوت العدالة

الحماية القانونية للكراء التجاري

Aziz Benhrimida

الأثنين 12 سبتمبر 2016 - 02:15

مقدمـــة :
يعتبر الحق في الكراء من بين أهم عناصر الأصل التجاري في حالة عدم ملكية مالك هذا الأخير للعقار الذي أسس عليه أصله التجاري، لكون العقار لا يعتبر عنصرا من عناصر الاصل التجاري الذي هو مال منقول معنوي[1].
وقد نصت المادة 80 من قانون 95-15 بشأن مدونة التجارة الصادر بتاريخ 13 ماي 1996، على الحق في الكراء التجاري باعتباره العنصر الثالث من عناصر الأصل التجاري، ونظرا لأهمية هذا العنصر الذي قد يحدد مصير هذا اللاصل وجودا و عدما فقد افرد له المشرع مقتضيات خاصة ترمي إلى حماية المكتري من خلال تنظيم علاقته بالمكري بمقتضى ظهير 24 ماي 1955 الذي يضم 47 فصلا والذي جاء بمقتضيات مهمة بديلة للقواعد القانونية العادية المتعلقة بإيجار الشيء (سواء كان عقارا أو منقولا) حسب الفصول626 إلى 699 من ق ل ع، بعدما كان منظما بمقتضى ظهير 17 يناير 1948 الذي تم إلغاؤه بنص الظهير المذكور.
ويرجع المصدر التاريخي لحماية الكراء التجاري إلى ظهير 21 مارس 1930، الذي كان يقر حماية تماثل حماية المشرع الفرنسي حسب قانون 30 يونيو 1926 ، وبعدما كشفت التطبيقات القضائية للمحاكم العصرية المتكونة من قضاة فرنسيين عن مجموعة من الثغرات في ظهير 17 يناير1948 تم سن ظهير 24 ماي1955 المطابق للقانون الفرنسي المؤرخ في 30 يونيو1953.
إلا أن هذا الظهير لم يفرد تعريفا خاصا بحق الكراء التجاري كما لم تعرفه مدونة التجارة، ليتولى ذلك الفقه، إذ عرفه الفقيه المصري احمد محمد محرز بأنه ” حق التاجر في البقاء في العقار الذي يباشر فيه التجارة والتنازل عن هذا الحق للغير في حالة تصرفه في المحل التجاري” ، وعرفه الأستاذ محمد لفروجي بأنه ” يقصد بالحق في الكراء، المنصوص عليه في الفقرة 2 من المادة 80 من مدونة التجارة ضمن العناصر المعنوية للأصل التجاري، ذلك الحق المخول للتاجر، المستأجر للعقار الذي يباشر فيه تجارته، من جهة في البقاء في هذا العقار عن طريق تمتيعه بتعويض عادل عن الإخلاء في حالة رفض المؤجر تجديد عقد الكراء، عند انتهاء مدته، ومن جهة أخرى في التنازل عن الكراء للغير في الحالة التي يعمد فيها الى التصرف في الأصل التجاري بالبيع أو بأحد أوجه التصرف المنصوص عليها في المادة 81 من مدونة التجارة، كتقديم الأصل التجاري حصة في شركة لو بتخصيصه بالقسمة أو المزاد”[2] ، ويعتبر حق الكراء التجاري من أهم عناصر الأصل التجاري ، إذ يعتبر التخلي عن الحق في الكراء تخليا عن الأصل التجاري برمته إذ لا يتصور امتلاك أصل تجاري دون حق في الإيجار، فهو ذلك العنصر المعنوي الذي يربط الأصل التجاري كمنقول معنوي بالعقار الذي يتأسس عليه هذا الأصل بجميع عناصره الأخرى المادية والمعنوية وهو ما كرسه المجلس الأعلى[3]، وهذا الارتباط بالعقار كان يخضع لمقتضيات القواعد العامة المنصوص عليها بالفصول من 626 إلى 699 من ق ل ع قبل أن ينظمه ظهير 24 ماي 1955 المتعلق بالكراء التجاري والذي لم يعرف أي تعديل منذ صدوره رغم التحولات الاقتصادية والثورة القانونية بالمغرب ورغم أن بعض مقتضياته قد تجاوزتها المقتضيات القانونية للتنظيم القضائي للمملكة بمقتضى ظهير 30 شتنبر 1974 إذ لم يعد هناك مكان للمحاكم الفرنسية والمحاكم المخزنية المنصوص عليها في ظهير الكراء التجاري، كما تجاوزه قانون 05-95 المنشئ للمحاكم التجارية.
وقد أوضح الفصل الأول من ظهير 24 ماي1955 بأن مقتضيات الظهير تطبق على عقود الإيجار المتعلقة بالأماكن المستعملة للتجارة أو الصناعة أو الحرفة التي أبرمت مع الدولة أو الجماعات العمومية، أو المؤسسات العمومية في شان أملاك أو أماكن أعدت لمصالح وجدها الحال تستغل بمشاركة الدولة إما وقت إبرام العقد أو قبله، وكذا على عقود إيجار الأملاك التي تشغلها مؤسسات التعليم أو الصناعيون.
وهكذا فانه لا يستفيد من حماية ظهير 24 ماي1955 سوى الأملاك المستعملة للتجارة والصناعة والحرفة، والأماكن اللاحقة بها بشرط أن تكون ضرورية لاستغلال تلك الأماكن، الشيء الذي يبعد تطبيق مقتضيات هذا الظهير على عقود الإيجار التي لا يمكن اعتبارها عقود إيجار عقارية.
إلا أن اكتساب الحق في الكراء الذي يخول تطبيق مقتضيات الظهير المذكور على المحلات أعلاه، قد أحيط بشرط أساسي يتعلق بالمدة الزمنية التي يجب أن يعيشها الأصل التجاري فوق العقار حتى يكتسب مالكه الحق في الإيجار، والتي حددت في مدة سنتين إذا كان عقد الكراء مكتوبا[4] أو أربع سنوات إذا كان العقد شفويا[5] .
لكن الإشكال يطرح عند عدم توفر الشرط المذكور في حين يكون الأصل التجاري قد خاض أشواطا في تأسيس الزبناء وابرام صاحبه عقودا للتوريدات و شراء معدات وبضائع عبر اقتراض مبالغ مهمة عند بداية التأسيس للعمل التجاري او حتى مرور مدة زمنية لها أهميتها بالمنطق الاقتصادي والتجاري وان قلت عن سنتين اذا كان عقد الكراء كتابيا او قلت عن اربع سنوات ان كان عقد الكراء شفويا، فهل تخضع العلاقة الكرائية بين مالك العقار ومالك الأصل التجاري لمقتضيات القانون المدني باعتبارها الشريعة العامة وبالتالي يبقى مالك الأصل التجاري تحت رحمة بنود العقد التي تنبني على الحرية التعاقدية طبقا للفصل 230 من ق ل ع ومن تم إمكانية وضع حد لعقد الكراء طبقا للفصول 623 إلى 694 من ق ل ع حسب شرط المدة المنصوص عليه في العقد ما دام أن المكتري لم يكتسب بعد الحق في الكراء، وهو ما لا يستقيم مع منطق القانون التجاري اللبرالي الرامي إلى دعم تكوين الثروة وتنميتها[6]، أم أن الأمر غير ذلك؟ وهل للقضاء دور في تكريس مخرج قانوني حمائي للأصل التجاري، في هذه الحالة، وهل حاول هذا القضاء التنسيق بينالنصوص القانونية لإيجاد نسق منطقي يخلص المكتري ( صاحب المشروع الاقتصادي) من سيف الحرية التعاقدية ؟
فقد حاول العمل القضائي بجميع درجاته ضمانا لحماية الأصل التجاري الذي أصبح إضافة إلى كونه نواة صلبة للائتمان التجاري ولاستقرار الشغل ووسيلة لضمان السلم الاجتماعي، ما دام أن أي خلل في البنيات الاقتصادية سوف يؤدي بالنتيجة إلى انتشار مظاهر البؤس والاضطراب الاجتماعي، وهو ما سنحاول مقاربته في معرض هذا العرض.
لكن مع توفر الشروط الموجبة لتطبيق مقتضيات ظهير 24 ماي 1955 يكون المكتري في موقع أكثر حمائية[7]، إذ تهدف تلك المقتضيات إلى تكريس حماية الملكية التجارية للأصل التجاري الذي يكون قد اكتسب سمعة تجارية و زبناء خلال مدة أربع سنوات إذا كان عقد الكراء شفويا أو أربع سنوات إذا كان العقد شفويا وهو ما قد يزعزع أركان الملكية العقارية التي ظلت محمية بأسمى قانون في الدولة بمقتضى الفصل 15 من الدستور، وحتى بالمواثيق الدولية كما نص على ذلك العهد الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسنة 1966.
إلا أن تعقد المساطر القانونية وإفراطها في الشكليات بضرورة سلوك مساطر محددة ومعقدة أحيانا سواء عند الرغبة في إعادة تحديد السومة الكرائية للمحل المكرى أو محاولة إفراغه، قد يفرغ المظاهر الحمائية لظهير 24-05-1955 من محتواها سيما مع الجهل بالمقتضيات الآمرة للظهير التي يترتب عن عدم الانضباط لها سقوط الحق.
ومهما يكن فان الظهير المذكور يشكل وحدة متكاملة من قواعد الشكل والموضوع تتناسق فيما بينها لتشكل كتلة قانونية تعنى بحق الكراء وبتنظيم العلاقة الكرائية بين المكري والمكتري، لكن التطبيق القضائي باعتباره الأداة الحية لبث الروح في النص القانوني والكشف عن عوراته، والتحليل الفقهي باعتباره آلة التقويم للنص التشريعي والعمل القضائي، قد أبانا عن عدة اختلافات متباينة وأحيانا متضاربة سواء على مستوى محاكم الموضوع في مختلف ربوع المملكة أو على مستوى المجلس الأعلى وحتى بين قرارات المجلس الأعلى نفسه، وقد تكرس هذا التضارب والاختلاف بشكل صارخ بمناسبة البث في تنازع الاختصاص النوعي بعد إنشاء المحاكم التجارية بمقتضى قانون 05-53 بين هذه المحاكم والمحاكم المدنية.
وهو ما افرز نقاشا فقهيا خصبا في ردهات المحافل العلمية على مستوى كليات الحقوق والندوات المنظمة من طرف وزارة العدل والمعهد العالي للدراسات القضائية[8]، وهو ما دفع المشرع إلى الدفع بمقترح قانون لأجل تعديل هذا الظهير والذي لم يرى النور بعد وهو ما سنعرج عليه في حينه.
ومن خلال هذه العجالة تتضح لنا أهمية الموضوع اعتبارا لأهمية حماية الأصل التجاري كضمانة للاستقرار الاقتصادي والعمالة والائتمان، الذي لا يتأتى إلا برصد المقتضيات القانونية الضامنة لهذه الحماية للوقوف على مكامن الضعف والقوة سواء في النص القانوني أو تطبيقه القضائي اعتبارا لضرورة الموازنة بين حقوق المكري والمكتري حتى لا يصبح الكراء التجاري نزعا مقنعا للملكية العقارية[9] ولتفادي عزوف مالكي العقارات عن كرائها وبالتالي تقليص دائرة الاستثمار في دائرة محدودة من الفاعلين الاقتصاديين تملك أو قادرة على تملك العقارات، والذي قد يقلب الأهداف المرسومة لحماية الأصل التجاري رأسا على عقب.
من تم فان الإشكالية المحورية للموضوع تكمن في مدى الحماية التي يقررها المقتضى القانوني للمكتري في المحلات التجارية استثناءا من القواعد العامة، وكيف جسد القضاء هذه الحماية على مستوى تطبيقه لظهير 24 ماي 1955 والمقتضيات القانونية الاخرى التي تنظم عقد الكراء بمقتضى مدونة التجارة ؟.
هذا ما سنحاول بسطه في معرض نقط هذا العرض وفق خطة البحث التالية :
مبحث أول : نطاق حماية الكراء التجاري قبل اكتساب الحق في الكراء
مطلب أول : ضمانات المكتري قبل اكتسابه الحق في الكراء
مطلب ثاني : حالات سقوط الضمانات الحمائية للمكتري.
مبحث ثاني : ضمانات حماية المكتري عند اكتساب الحق في الكراء
مطلب اول- حدود حماية المكتري خلال مسطرة افراغ المحلات التجارية.
مطلب ثاني : حماية الحق في الكراء بمقتضى مدونة التجارة وقانون المحاكم التجارية.
خاتمـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقالات ذات صلة

مسودة قانون تستجيب لانتظارات المفوضين القضائيين

مسودة قانون تستجيب لانتظارات المفوضين القضائيين

جامعة الإمارات تجري أول دراسة بحثية في مجال علم الأوبئة

جامعة الإمارات تجري أول دراسة بحثية في مجال علم الأوبئة

مشروع المحكمة الالكترونية بالمغرب” أول مؤلف بالمملكة.. الرجل المناسب في المكان المناسب.. الدكتور سعيد بوطويل نمودجا..

مشروع المحكمة الالكترونية بالمغرب” أول مؤلف بالمملكة.. الرجل المناسب في المكان المناسب.. الدكتور سعيد بوطويل نمودجا..