بقلم: عزيز بنحريميدة
في إطار رسالتها الإعلامية الرامية إلى تثمين الكفاءات الوطنية وتسليط الضوء على الوجوه القضائية التي تشتغل في صمت وتجسد قيم النزاهة والاستقلال وخدمة العدالة، تواصل جريدة صوت العدالة سلسلة مقالاتها الخاصة بتتبع المسارات المهنية لأبرز الشخصيات القضائية بالمملكة.
سلسلة تروم تقريب القارئ من رجال ونساء القضاء الذين يشكلون العمود الفقري لمنظومة العدالة، والذين أسهموا من مواقع مسؤوليتهم في تكريس دولة الحق والقانون وتعزيز ثقة المواطن في المؤسسة القضائية.
وفي هذا الإطار، نسلط الضوء في هذا العدد على شخصية قضائية بصمت مسارها بالكفاءة والاستقامة والبعد الإنساني … السيد نورالدين الداحن، وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بابن أحمد، كأحد النماذج المشرفة للقاضي الذي يجمع بين قوة القانون وسمو الأخلاق، وبين الكفاءة المهنية والبعد الإنساني.
لقد راكم السيد نورالدين الداحن مسارًا مهنيًا غنيًا داخل سلك القضاء، مرّ خلاله من عدة محطات ومسؤوليات بمختلف محاكم المملكة، وهو ما أتاح له تكوين رؤية شمولية عميقة حول العدالة ووظيفة النيابة العامة. فقد سبق له أن اشتغل قاضيًا للتحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، مكلفًا بالغرفة الثانية، ومتخصصًا في قضايا الفساد المالي والجرائم الاقتصادية، حيث باشر التحقيق في ملفات وطنية كبرى، من بينها ملف خالد عليوة المدير العام السابق لبنك القرض العقاري والسياحي، وملف المكتب الوطني للمطارات، وهي قضايا دقيقة تتطلب جرأة في اتخاذ القرار، وتجردًا في البحث، واستقلالية في التقدير.
غير أن ما يميّز تجربة السيد وكيل الملك بابتدائية ابن أحمد، لا يقتصر فقط على رصيده القانوني وتكوينه الأكاديمي الرصين، بل يتجلى بالأساس في أسلوبه الإنساني في تدبير الملفات والقضايا المعروضة على النيابة العامة. إذ يشهد له عدد من المرتفقين والمهنيين بكونه مسؤولًا قضائيًا يعطي الإصغاء المكانة التي تستحقها، ويتعامل مع شكايات المواطنين بروح المسؤولية والإنصاف، بعيدًا عن الجمود الإداري أو التعامل الشكلي مع الملفات.
وقد أبان السيد نورالدين الداحن عن نجاعة ملحوظة في تدبير ملف الاعتقال الاحتياطي، من خلال ترشيد اللجوء إليه، واحترام مبدأ الاستثناء الذي يقوم عليه قانونًا، بما يعكس وعيًا حقوقيًا متقدمًا بأهمية حماية الحرية الفردية وضمان قرينة البراءة. وهو توجه ينسجم مع التوجيهات الحديثة لرئاسة النيابة العامة، ومع روح العدالة الإصلاحية التي تجعل من القضاء أداة للإنصاف لا مجرد آلية للعقاب.
كما يُحسب له حرصه الدؤوب على إصلاح ذات البين بين أطراف النزاعات متى كان ذلك ممكنًا قانونًا، وسعيه إلى تشجيع الحلول التوافقية في القضايا التي تحتمل الصلح، إيمانًا منه بأن العدالة ليست فقط إصدار أحكام، بل هي أيضًا ترميم العلاقات الاجتماعية، وحماية الاستقرار الأسري والمجتمعي.
ويُجسّد هذا التوجه ما بات يُعرف اليوم بمفهوم “النيابة العامة المواطنة”، أي النيابة العامة القريبة من هموم المواطن، والمتفاعلة مع قضاياه، والواعية بدورها الاجتماعي، في قطيعة تامة مع الصورة النمطية القديمة التي كانت تُختزل في منطق الزجر الصارم أو ما كان يُعبّر عنه في الثقافة الشعبية بمصطلحات قدحية لم تعد تليق بمفهوم العدالة الحديثة.
وعلى المستوى المهني، يتمتع السيد وكيل الملك بعلاقة متوازنة ومحترمة مع مختلف مكونات أسرة العدالة، من قضاة ومحامين وموظفين وضابطة قضائية، قائمة على التواصل والتعاون والاحترام المتبادل، وهو ما انعكس إيجابًا على مناخ العمل داخل المحكمة وعلى جودة الأداء القضائي بها.
إن تجربة السيد نورالدين الداحن بابتدائية ابن أحمد تُقدّم نموذجًا حيًا للقاضي المسؤول، الكفء، والمتواضع، الذي يمارس سلطته باسم القانون، لكن بروح الإنسان، ويجعل من موقعه أداة لخدمة العدالة والمجتمع لا مجرد منصب إداري.

