بقلم: عزيز بنحريميدة – مدير جريدة صوت العدالة
في القضايا التي تهز الرأي العام، لا يكون الخطر فقط في فداحة الفعل، بل في سرعة تشكل “الحقيقة الجاهزة” قبل أن تكتمل الحقيقة القضائية. وفي ملف الشاب أشرف الملقب إعلامياً بـ“ولد الفشوش”، يعود النقاش اليوم إلى النقطة التي يجب أن تكون دائماً نقطة الانطلاق: الدليل، لا الانطباع. الشريط الذي تم تقديمه أمام المحكمة وأدين على ضوئه الشاب أشرف بجناية القتل، يفرض – أخلاقياً وقانونياً – قراءة ثانية وثالثة، بتمعن وتجرد، دون خلفيات مسبقة ودون رغبة في تبرئة مذنب أو إدانة بريء.
(الصورة أسفله توضح موقع الشاب أشرف و هو بعيد عن موقع الضحية بدر )

فالشريط، بحسب المعطيات التي وصلتنا، يوثق شجاراً خاطفاً بين شباب في مقتبل العمر انتهى إلى مأساة راح ضحيتها الدكتور بدر رحمه الله. غير أن الإشكال الذي فجر العاصفة ليس في وقوع الجريمة، بل في تحديد من ارتكبها فعلاً، ومن كان حضوره عرضياً ثم غادر قبل لحظة التحول الحاسم، ومن نسبت إليه الأفعال إعلامياً لأنه “اسم جذاب” لرفع نسب المشاهدة، لا لأنه الفاعل الحقيقي.
هنا تبرز فكرة بسيطة لكنها حاسمة: كلنا ضد جريمة القتل، وكلنا مع معاقبة مرتكبيها، لكن القانون لا يعاقب “الاسم” ولا “الصورة” ولا “اللقب”، بل يعاقب الفعل، والدور، والرابطة بين الشخص والنتيجة. والجزاء في العدالة ليس انتقاماً جماعياً، بل مسؤولية شخصية محددة بحدود ما اقترفت اليد وما قصده العقل وما أثبته الدليل.
(الصورة اسفله توضح لحظة توجيه الضربة القاتلة و لا وجود للشاب أشرف الذي غادر مسرح الجريمة قبل وقوعها بلحظات )

وفق ما ورد في الشريط ، يظهر أشرف في الثواني الأولى من النزاع في اشتباك بالأيدي مع قريب الضحية، ثم يغادر المكان قبل وقوع الفعل المميت. وأبعد من ذلك فالشاب أشرف كان قد غادر مسرح الجريمة قبل توجيه اللكمة القاتلة، وأن شهوداً عاينوه على رصيف الشارع قبل ان يقوم بعض الاشخاص بحمله في سيارة أخرى و الذي له سابق معرفة ب “اشرف “بعدما وجده في حالة غير طبيعية و قام بإيصاله الى منزل عائلته كل هاته الاحداث حسب كاميرة المراقبة تثبث أن الشاب اشرف كان قد غادر مسرح الجريمة قبل وقوعها بدقائق ، بينما بقي الثلاثة الآخرين بمكان الشجار حيث قام أحدهم (زويتة) بتوجيه ضربة قاتلة للضحية بدر و بعدها توثق الكاميرة قيام الثلاثة بامتطاء السيارة و العودة الى مكان سقوط بدر و دهسه قبل فرارهم ، كل ذلك في غياب الشاب أشرف الذي غادر المكان قبل عمليتي الضرب و الدهس ولنا في كاميرة المراقبة اكبر دليل و اقوى قرينة و التي لا يمكن التلاعب فيها من طرف أي كان ، إن كنا نبحث عن الحقيقة فعلا و ليس العكس .
هذه الوقائع المتبثة تقنياً وموضوعياً، تضعنا أمام سؤال قانوني جوهري: هل مجرد الحضور في بداية شجار، ثم الانسحاب قبل الفعل القاتل، يجعل الشخص فاعلاً أصلياً أو شريكاً في القتل؟ الجواب ليس عاطفياً، بل تحكمه قواعد دقيقة في القانون الجنائي المغربي.

القانون يميز بين الفاعل الأصلي الذي يرتكب الركن المادي للجريمة بيده أو بتنفيذه المباشر، وبين المساهم أو المشارك الذي لا ينفذ الفعل القاتل، لكنه يقدم مساعدة أو تحريضاً أو تسهيلاً له دور سببي في وقوع الجريمة. وفي هذا الباب، المبدأ المستقر في الاجتهاد القضائي – كما كرسته محكمة النقض في قرارات معروفة – أن المشاركة لا تُبنى على أفعال لاحقة للجريمة، لأن “المساعدة بعد وقوع الفعل” قد تشكل وصفاً آخر (كإخفاء، أو عدم التبليغ في حالات مخصوصة، أو عرقلة العدالة بحسب الظروف)، لكنها لا تُحوِّل الشخص إلى شريك في القتل ما لم يثبت أن مساعدته كانت سابقة أو معاصرة ومؤثرة في ارتكاب الجريمة.
وبالتالي، فالشاب أشرف قد انسحب قبل لحظة القتل بدقائق ، ولم يكن ضمن من نفّذوا الاعتداء المميت، ولم يثبت أنه حرّض أو خطط أو سلّم أداة أو وفّر وسيلة أو شدّ من أزر الفاعلين لحظة التنفيذ، فإن تحميله وصف القاتل أو الشريك في القتل يصبح محل مساءلة قانونية جدية، لأن ركن المشاركة يقوم على عنصرين: فعل المساعدة أو التحريض، ثم رابطة سببية ومعنوية بين هذا الفعل وبين وقوع الجريمة. أما الحضور العابر في بداية شجار دون استمرار ودون دعم ودون مؤازرة لحظة التنفيذ، فلا يكفي وحده لإثبات الفعل او المشاركة، خصوصاً إذا قام الدليل على الانسحاب والابتعاد.
الصورة اسفه توضح من ان الملقب بزويتة هو من وجه اللكمة القاتلة للضحية بدر في غياب تام للشاب اشرف )

كما أن الجرائم المفضية إلى إزهاق روح لا تُعامل بمنطق “الجماعة” بشكل آلي، بل بمنطق “تحديد الأدوار”. فإذا كانت الواقعة تتضمن – حسب المعطيات – أفعالاً متعددة: اشتباك أولي، ثم لكمة قاتلة، ثم دهس بسيارة، فإن القانون يقتضي فرز كل فعل على حدة وتحديد من قام به ومن ساهم فيه، لأن المسؤولية تتشدد أو تتغير بتغير الفعل والنية والزمان والمكان. وقد يكون شخص ما مسؤولاً عن فعل اعتداء بسيط أو اشتباك، بينما يتحمل آخرون المسؤولية عن الفعل المميت، وقد تتبدل الأوصاف بين قتل عمد أو ضرب وجرح مفضٍ إلى الموت أو مساهمة في جريمة بحسب ما يثبته التحقيق والقرائن التقنية والشهادات.
ومن زاوية الإثبات، فإن شريط الفيديو – مهما كانت قوته – ليس “حكماً”، بل “قرينة” تخضع للتقييم القضائي. قيمته ترتفع حين تقترن بخبرة تقنية تحدد التوقيت بدقة، وتؤكد هوية الأشخاص، وتربط المشاهد بالمسافات والتحركات، وتنسجم مع تصريحات الشهود ومعطيات الاتصالات أو المواقع أو باقي الأدلة المادية. وفي المقابل، قد يضلل الشريط إذا كانت زواياه ناقصة أو هوياته غير واضحة أو تم تفسيره بسبق تصور. ولهذا، فإن طلب قراءة دقيقة للشريط “دون خلفيات” ليس ترفاً، بل هو جوهر العدالة الجنائية الحديثة: الوصول إلى الحقيقة عبر تجميع الأدلة وتناسقها لا عبر العناوين الرنانة.
الجانب الأخطر في هذه القضية هو المحاكمة الإعلامية التي قد تسبق القضاء وتضغط على مسار الملف. لقب مثل “ولد الفشوش” قد يبدو مجرد وصف، لكنه في الواقع قد يتحول إلى قناعة جماعية تُسقط قرينة البراءة وتستبدلها بمنطق “لا دخان بلا نار”. والحقيقة أن القانون يبني الإدانة على اليقين القضائي المستند إلى حجج، لا على الغضب العام. فإذا كان هناك احتمال جدي لوجود تورط إعلامي أو التباس في تحديد الفاعل الحقيقي، فإن الواجب المهني والإنساني يحتم التذكير بأن مصير إنسان قد يتوقف على دقيقة فيديو تُقرأ خطأ، أو على رواية تُكرر حتى تُصدق.
إن الدعوة التي نطرحها اليوم ليست دفاعاً عن قاتل، كما قد يروج البعض، بل دفاع عن مبدأ: لا عدالة بلا حقيقة، ولا حقيقة بلا تدقيق. القصاص الحقيقي لا يتحقق حين نعاقب “الأقرب للعنوان”، بل حين تصل المسؤولية إلى من ارتكب الفعل فعلاً، ومن ساهم فيه وفق ما يحدده القانون، دون زيادة ولا نقصان. أما إذا تبين من خلال الشريط والخبرة والشهود أن أشرف غادر قبل وقوع الفعل المميت ولم يشارك لا تحريضاً ولا تنفيذاً ولا مؤازرة، فإن مقتضى القانون والضمير يلتقيان عند نتيجة واحدة: لا يجوز أن يدفع إنسان ثمن أخطاء غيره وهو منها براء.
وبين حكم قضائي صدر، ومعطيات جديدة تطفو على السطح، يبقى الأمل معقوداً على أن تُستكمل صورة الحقيقة كاملة في مرحلة الاستئناف، بعيداً عن أي ضغط أو توجيه. فالعدالة حين تكتمل صورتها لا تنتصر لشخص، بل تنتصر للحق وحده. وفي قضايا الدم على وجه الخصوص، لا شيء أخطر من ظلم بريء، ولا شيء أنبل من إحقاق الحق ولو بعد حين.
عزيز بنحريميدة – مدير جريدة صوت العدالة

