صوت العدالة- حبيل رشيد.
يقول باولو فريري:
«إن التربية التي تستحق اسمها تُشيّد الإنسان من الداخل، وتوقظ فيه السؤال، وتدربه على مساءلة الواقع، وتمنحه القدرة على قراءة العالم قبل قراءة الكلمات… فحيث يغيب الوعي، يتكاثر التلقين، وحيث يحضر الوعي، تنفتح آفاق الفهم، وتتجذر المسؤولية، ويولد الأمل بوصفه معرفةً متبصّرة، لا حلمًا عابرًا…»
في مدينة ابن أحمد، حيث تتقاطع رهانات المدرسة مع تحوّلات المجتمع، وحيث تشتد الحاجة إلى فعل تربوي رصين، اختارت مؤسسة اقرأ أن تجعل من الجودة محورًا للتفكير، ومن الحياة المدرسية مجالًا لإعادة البناء، ومن التكوين المستمر مدخلًا لترسيخ الوعي المهني… اختيارٌ يعكس إدراكًا عميقًا بأن المدرسة تُصنع في التفاصيل، وفي الوعي اليومي للأطر، وفي انسجام الرؤية مع الممارسة…
ضمن هذا الأفق، نظّمت المؤسسة أيامًا دراسية لفائدة الأطر التربوية والإدارية، يومي الجمعة والسبت 09 و10 يناير 2026، تحت شعار بالغ الدلالة: «الجودة في المناهج الدراسية والحياة المدرسية»… شعار حمل في طياته سؤال المعنى، وفتح باب التأمل في طبيعة التعلمات، ووظيفة المنهاج، ودور الحياة المدرسية في تشكيل شخصية المتعلم، وصقل كفاياته، وبناء وعيه الفردي والجماعي…
وقد عرفت هذه الأيام الدراسية مشاركة نخبة من الأساتذة الباحثين والمؤطرين، الذين أثروا اللقاءات بعروض علمية عميقة، ومقاربات تربوية متأنية، ومداخلات كشفت عن غنى التجربة، واتساع الرؤية، ومن بينهم: الدكتور عمر تيدرارين، الدكتور محمد سالم بويشة، الدكتور السعيد صنير، الدكتور محمد رزيق، الدكتور محمد تيريش… أسماء أكاديمية وازنة، جمعت بين المعرفة النظرية والخبرة الميدانية، وبين التحليل العلمي واستحضار واقع المدرسة بتعقيداته وتحدياته…
انصبت المداخلات على مساءلة مفهوم الجودة في المناهج الدراسية، من زاوية تربوية شمولية، ترى المنهاج بناءً معرفيًا وقيميًا متكاملًا، وتتعامل معه باعتباره أداة لتشكيل الفكر، وتنمية الحس النقدي، وبناء الكفايات القابلة للتوظيف في الحياة… حيث جرى التأكيد على ضرورة الانسجام بين الأهداف التعليمية، والطرائق البيداغوجية، وآليات التقويم، بما يضمن تعلمات ذات معنى، ويُخرج المتعلم من دائرة التلقي الساكن نحو أفق الفعل الواعي…
وفي السياق ذاته، خُصّص حيز دال لموضوع الحياة المدرسية، بوصفها القلب النابض للمؤسسة التعليمية، والفضاء الذي تتجسد فيه القيم، وتُختبر فيه العلاقات، ويُبنى فيه الانتماء… حياة مدرسية تُصاغ عبر الأنشطة الثقافية، والفنية، والرياضية، والمواطِنة، وعبر إشراك المتعلمين في مبادرات تُنمّي روح المسؤولية، وتُعزز الثقة في الذات، وتفتح أمامهم مسالك التعبير، والمشاركة، والابتكار…
كما تناولت المداخلات قضايا تطوير الممارسات التربوية والإدارية، في ضوء التحولات الراهنة، والحاجة إلى تجديد أساليب التدبير، وتجويد التخطيط، واعتماد مقاربات تشاركية، تُعلي من قيمة العمل الجماعي، وتربط الأداء التربوي بثقافة التقييم الذاتي، والتحسين المستمر… حيث برز الوعي بأن الإدارة التربوية تُؤسس على الرؤية، والحكمة، وحسن تدبير الموارد البشرية والزمنية، بما يخدم التعلمات، ويُحسّن مناخ العمل داخل المؤسسة…
وقد حظي دور الأطر التربوية والإدارية باهتمام خاص، باعتبارهم الفاعل المركزي في تنزيل أي تصور للجودة… أطرٌ مدعوة إلى امتلاك أدواتها المهنية، والانفتاح على المستجدات البيداغوجية، والتفاعل الإيجابي مع المتعلم، والإسهام في بناء مدرسة تُراهن على الفهم، والتفكير، والقدرة على حل المشكلات… مدرسة تجعل من المعرفة وسيلة للارتقاء الإنساني، ومن القيم أساسًا للتعايش، ومن الانضباط الذاتي ثقافةً مؤسسية…
وقد تميزت هذه الأيام الدراسية بحسن التنظيم، ودقة البرمجة، وسلاسة التأطير، تحت إشراف المديرة المؤسِّسة ذة ثريا، التي جسدت من خلال هذه المبادرة وعيًا مؤسساتيًا متقدمًا، وإيمانًا راسخًا بأن التكوين المستمر يشكل ركيزة أساسية لتطوير الأداء التربوي، وتعزيز مكانة المؤسسة التعليمية داخل محيطها المجتمعي… قيادة تربوية راهنت على الاستثمار في الإنسان، وعلى جعل الجودة مسارًا يوميًا، لا حدثًا مناسباتيًا…
وفي ختام هذه المحطة التربوية الوازنة، تتقدم مجموعة مدارس اقرأ الخاصة بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى السادة المؤطرين الأفاضل، على عطائهم العلمي والتربوي، وعلى ما قدموه من خبرات ورؤى أسهمت في تعميق النقاش، وتوسيع أفق التفكير… كما تتوجه بالشكر الجزيل إلى جميع الأطر التربوية والإدارية، على انخراطهم الواعي، وتفاعلهم البنّاء، ومشاركتهم الفاعلة، التي منحت لهذه الأيام الدراسية روحها، ومعناها، وأثرها…
إن ما شهدته مؤسسة اقرأ بمدينة ابن أحمد خلال هذين اليومين… يعكس وعيًا تربويًا يتشكل، ورؤية مؤسساتية تتبلور، وإرادة صادقة في جعل الجودة ممارسة يومية، والحياة المدرسية مجالًا حيًا للتكوين، والتنشئة، وبناء الإنسان… مسارٌ يبدأ بالسؤال، ويتغذى بالتكوين، ويتجسد في الممارسة، ويُقاس بأثره في المتعلم، وفي المدرسة، وفي المجتمع…
معًا… من أجل ترسيخ الجودة، وبناء حياة مدرسية فاعلة…


