الرباط – اليوم الخميس 5 فبراير 2026 |
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،
السيد المفتش العام لوزارة التعليم الأولي؛
السيد المفتش العام لقطاع الشباب؛
السيدات والسادة مُساعدات ومُساعدو المخاطبين الدائمين للمؤسسة؛
السيدات والسادة أطر مؤسسة الوسيط؛
الحضور الكرام،
يُسعدني ويُشرفني أن ألتقي بكم في افتتاح فعاليات هذا اليوم الدراسي المُخصص لإعداد التقارير السنوية للمخاطبين الدائمين.
هذه الفَعالية التواصلية والتنسيقية التي نَعقدها في سياق الاحتفاء بسنة 2026 كسنةٍ للوساطة المرفقية، تخليداً لمرور رُبع قرن على إحداث صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لديوان المظالم عام 2001.
وهو ما يعني رُبع قرن من مَسَار الوساطة المؤسساتية وتحولاتها التشريعية والتنظيمية والدُستورية، بَحثاً عن الصيغة الأكثر مُطابقة للمفهوم الجديد للسلطة الذي يجعل الإدارة في خدمة المواطن، والأكثر قُرباً من قيم العدل والإنصاف.
رُبع قرن من الاجتهاد والعَمل والتفكير، هو مَسَارٌ بَصَم عليه رجالٌ ونساء كانوا يحتاجون إلى الاعتراف وإلى التثمين والتقدير، فوجَدوا في الموافقة الملكية السامية على اعتماد “9 دجنبر” يوماً وطنياً للوساطة، نِعْمَ الاعتراف وخَيْرَ التقدير وبَالغ التثمين.
رُبما لا أحتاج إلى تذكيركم إلى أن هذا اللقاء يشكل تجسيداً لالتزام سابق قطعناه على أنفسنا، تنفيذاً لتوصية صادرةٍ عن اللقاء السنوي للمخاطبين الدائمين المنعقد في 9 دجنبر الماضي، بمناسبة اليوم الوطني للوساطة المرفقية.
حَيث أَفضَت مُجريات الحِوار المَفتوح المَطبوع بالمسؤولية والوُضوح إلى اقتراح عملي بضمان دورية معقولة للتواصل بين مؤسسة الوسيط وأُطر المفتشيات العامة ومُساعدي المخاطبين الدائمين، قصد تعزيز التنسيق ترسيخاً لمنظومة الوساطة المؤسساتية وفعاليتها.

وبَرز حِينها مَوضوعَان رئيسيان يَحضيان بأولوية مُشتركة لدى المؤسسة ومُخاطبيها الدائمين، هما:
تنمية التواصل بين الإدارة والمؤسسة، ثم إعداد التقرير السنوي للمخاطبين، وهو الموضوع الذي نلتئم اليوم قصد استحضار رهاناته حرصاً على تجويده وتأمين حدٍ أدنى من توحيد شبكة عناصره ومنهجية صياغته، وِفقاً لمقتضيات المرجعيات المعيارية ولمقاصد المشرع، وللممارسات الفُضلى.
وإذا كانت أعمال هذا اليوم ستُخصص بالكامل لتبادل الأفكار والتجارب ذات الصلة ببناء نموذجي لتقرير سنوي للمخاطب، مُطابقٍ لحقيقة التدبير القطاعي للتظلمات ومُنتجٍ للخلاصات الأساسية حول الأداء المرفقي، فإنني أُفضل أن أتقاسم مَعكم بَعض التأملات التي تَهم الوَضع الاعتباري لمؤسسة “المخاطب الدائم” كجزءٍ حَيٍّ من منظومة الوساطة المرفقية.
في المنطلق، يَرْبِطُ القانون بين تعيين الإدارة للمخاطب الدائم وبين الغاية التشريعية المتمثلة في ضمان حسن التنسيق والتواصل والتتبع مع مؤسسة الوسيط.

ولأجل ذلك، يتولى المخاطبون الدائمون بالإدارة – تنفيذا للقانون- القيام بمهام متعددة، تشمل:
تتبع الدراسة والبت في الطلب على الوساطة المحال من المؤسسة، والحرص على الإجابة عليه داخل الآجال القانونية؛
تتبع التجاوب الإداري مع هذا الطلب، وإخبار المؤسسة بنتائجه؛
دراسة تفاعل المؤسسة معه، والحرص على إيجاد حل مُنصف وعادل لمطالب المتظلم؛
مسك المعطيات ذات الصلة بالطلبات على الوساطة الواردة من المؤسسة.
هكذا، إذن، خص القانون رقم 14.16 المنظم لمؤسسة وسيط المملكة فصله الأول من الباب الرابع المعنون بـ”العلاقة بين المؤسسة والإدارة” لموضوع المخاطبين الدائمين للمؤسسة بالإدارة.
ولعل هذا ما يعني، بمنطق التحليل السياقي، محورية موقع المخاطب الدائم ضمن البناء العلائقي الذي يجمع وسيط المملكة مع الإدارة.
حيث أعلن المشرع، من خلال هندسة أبواب وفصول ومواد القانون، أن العلاقة بين المؤسسة والإدارة تمر أساسا عبر المخاطب الدائم، قبل أن تتجسد كذلك في اللجان الدائمة للتتبع والتنسيق.
على أن النظام الداخلي للمؤسسة سيعتبر، في مادته السابعة والثلاثين، المخاطب الدائم عضوا في هذه اللجان، ما لم ير رئيس الإدارة المعنية خلاف ذلك.
وكان القانون قبل ذلك قد قَصَد التنصيص على إحداث هذه اللجان وعن مهامها وتأليفها ورئاستها، ضمن نفس الفصل المخصص للمخاطبين الدائمين، تعبيراً عن كونها امتدادًا لما توليه هذه البنية من علاقة بين الوسيط والإدارة.
وفي المادة الثانية من النظام الداخلي للمؤسسة المخصصة لتقديم دلالات الكلمات المفتاح لهذا النص، يتم تعريف “المخاطب الدائم” باعتباره رئيس الإدارة أو الشخص المعين من طرفه، من بين المسؤولين التابعين للإدارة، المتمتعين بسلطة اتخاذ القرار فيما يُحال إليهم من المؤسسة، وفيما تتخذه من قرارات وتوصيات، لضمان التنسيق بين الإدارة والمؤسسة في موضوعها، وإعداد التقرير السنوي الخاص بما اتخذته الإدارة في شأنها.
تبرز أهمية المخاطب الدائم عندما يُقر المشرع بأنه في حالة عدم تعيينه يُعتبر رئيس الإدارة نفسه مخاطبا دائما، وكذا عند تقييد تعيينه بشرط وجوب انتمائه لقائمة مسؤولي الإدارة المتمتعين بسلطة اتخاذ القرار فيما يُحال إليهم من تظلمات من لدن مؤسسة الوسيط.
حضرات السيدات والسادة،
يسمح التفكير في موقع آلية “المخاطب الدائم” ضمن منظومة الوساطة المؤسساتية، باستحضار تحولات البناء القانوني الذي طال هذه المنظومة منذ رُبع قرن، تاريخ إحداث “ديوان المظالم”، من خلال الوقوف على الحرص الثابت للمُشرع على تأمين حَلقةٍ للوصل بين الوسيط والإدارة، تضمن من حيث البنية والمهام حسن التنسيق والتواصل والتتبع، مع اعتماد خياراتٍ تشريعية متباينة انطلقت في البداية -مع الظهير المحدث لديوان المظالم- في صيغة مندوب وزاري يُعين من قبل والي المظالم بموافقة ملكية سامية، في كل من الوزارة الأولى وباقي القطاعات الوزارية، وانتهت -مع القانون رقم 14.16- في صيغة مُخاطب دائم تعينه الإدارة من بين المسؤولين التابعين لها، الذي يتمتع بسلطة اتخاذ القرار فيما يُحال إليه من تظلمات.
على أن الوعي بهذه الذاكرة التشريعية، يُوضح أن استقرار الاتجاه القانوني على اعتماد مَنحى المخاطب المُعين من طرف الإدارة، لا يعني مُفاضلة مبدئية بين الصيغتين، وبين جهتي التعيين: الوسيط أو الإدارة؟ بقدر ما قد يستند إلى حُجج عملية تجعل من وُجود وفعلية قناة الاتصال ممكنا في القانون والواقع.
ذلك أن الانتداب القانوني لمهام “المخاطب الدائم” يدعونا لتأمل مكانته التشريعية، ليس فقط انطلاقا من ارتباطه العضوي بالإدارة، ولكن كذلك- وأساسا- انطلاقاً من التزامه الأخلاقي بثقافة الوساطة ومسؤولية الاقتراح وبرُوح الشفافية، على النحو الذي تسطره المادة 32 من القانون المنظم لمؤسسة وسيط المملكة، وهي تُولي للمخاطب مهمة اقتراح التدابير والإجراءات ذات الصلة بتحسين بنية الاستقبال والاتصال، وتبسيط المساطر ووُلوج المرتفق للمعلومة، ثم وهي تسند له مسؤولية حَث مصالح الإدارة على التقيد بروح الفعالية والشفافية في التعامل مع الوسيط.
إن المزاوجة بين الانتماء الوظيفي للإدارة، وبين تمثل البُعد الاقتراحي لمؤسسة الوسيط، وبين الالتزام بالتجاوب مع الطلب على الوساطة الوارد على الإدارة، وبين الحرص على ذلك ضمن أفق الحل المنصف والعادل، تعني أن المخاطب الدائم للمؤسسة ليس محاميا للإدارة ولا مندوبا للوسيط، بقدر ما هو جزء أصيل من منظومة الوساطة الإدارية، طَوَّقَهُ القانون بأخلاقيات المسؤولية، وجعله ضامنا لفعالية وشفافية التجاوب الإداري مع الطلب على العدل والإنصاف.
حيث يبدو المشرع كما ولو اختار أن يقدم معالجة أخلاقية لتنازع مسطري بين أن تحسب آلية التنسيق والتتبع على مؤسسة الوسيط أو أن تبقى جزءا من الإدارة.
ذلك أن القانون 14.16 يسمح لنا أن نؤوله ضمن إمكانية للقراءة تفصل بين إكراهيات البنية وبين التزامات الوظيفة، حيث إن الانتماء إلى الإدارة لا يعني بالضرورة تخليا عن الشرط الأخلاقي للإنصاف، بل قد يكون مدخلا لفعليته.
حضرات السيدات والسادة،
نعتمد في المؤسسة على مؤشري تفاعل الوسيط مع الطلب الوارد عليه، ثم تجاوب الإدارة مع مخرجاته، كمقياسين لتحديد نجاعة الوساطة وفعلية نتائجها.
ولا شك أن المخاطب الدائم يمثل عامل إنجاح حاسم لكلا المؤشرين، ليس فقط تجاوب الإدارة، بل كذلك تفاعل الوسيط، إذ أن كلا الزمنين – زمن التفاعل وزمن التجاوب – يرتبطان بأداء المخاطب الدائم.
ولعل هذا الدور لا يتعلق فقط بتطبيق القانون، ولكن أساسا باستيعاب شحنته الأخلاقية كضمير يحرس قيم المسؤولية والشفافية، وبالقدرة على تمثل وظيفة “المخاطب العام” بوصفها مدخلا لتجويد المرافق وسبيلا لتكريس الحكامة ومسلكا للانتصار لقيم العدل والإنصاف.
في هذا الأفق من التحليل، قد لا يكون من المبالغة القول إن المخاطب الدائم يبقى الحلقة الأكثر حساسية ضمن منظومة الوساطة المؤسساتية.

