الرئيسية غير مصنف قضية Jeffrey Epstein بين قصور الأمس وفضائح اليوم… حين يتكرر التاريخ بأسماء جديدة ونفوذ واحد

قضية Jeffrey Epstein بين قصور الأمس وفضائح اليوم… حين يتكرر التاريخ بأسماء جديدة ونفوذ واحد

IMG 5190
كتبه كتب في 14 فبراير، 2026 - 3:46 صباحًا

بقلم عزيز بنحريميدة

قضية Jeffrey Epstein لم تتحول إلى ملف جنائي عابر أو حدث إعلامي مؤقت، بل أصبحت بالنسبة لكثيرين امتداداً لمسار تاريخي طويل ارتبط دائماً بعلاقة السلطة بالجسد، والنفوذ بالتحكم، والمال بإمكانية الإفلات أو الهيمنة. لذلك فإن فهم هذه القضية لا يكتمل دون وضعها في سياق تاريخي أوسع، يمتد من العصور القديمة والوسطى إلى الزمن المعاصر، حيث تتغير الوجوه وتبقى بعض الأنماط متشابهة في جوهرها.

ففي مراحل طويلة من التاريخ، كانت المرأة في عدد من المجتمعات تُعامل داخل دوائر السلطة باعتبارها جزءاً من منظومة البلاط أو الحاشية، لا باعتبارها فرداً مستقلاً له حقوقه الكاملة كما تقرها القوانين الحديثة اليوم. داخل القصور، كانت العلاقات تُدار وفق ميزان القوة، وكان القرب من الحاكم أو صاحب النفوذ يحدد المكانة والمصير. هذه الصورة لا يمكن تعميمها على كل الحضارات أو كل الفترات، لكنها كانت حاضرة في سياقات متعددة، حيث كانت السلطة مطلقة تقريباً، والرقابة غائبة، والصوت المعارض ضعيفاً أو معدوماً.

ومع مرور الزمن وتغير أشكال الحكم وبروز الدول الحديثة، لم تختفِ كل تلك الأنماط دفعة واحدة، بل أعادت إنتاج نفسها بطرق مختلفة. لم تعد القصور الحجرية هي المجال الوحيد المغلق، بل ظهرت فضاءات جديدة ترتبط بالمال والنفوذ والشبكات المغلقة. تغيرت الأسماء، وتبدلت الأزياء، وتطورت الوسائل، لكن جوهر العلاقة غير المتكافئة بين صاحب القوة ومن هو أقل قوة ظل قائماً في بعض الحالات.

قضية إبستين جاءت لتعيد طرح هذا السؤال التاريخي: هل ما وقع هو استثناء صادم أم حلقة جديدة في سلسلة طويلة من استغلال النفوذ عبر العصور؟ كثير من التحليلات ترى أن الملف لم يكن مجرد واقعة فردية، بل كشف عن نمط يقوم على الاستدراج، واستغلال الفوارق الاجتماعية، والاحتماء بالمكانة والعلاقات. هذا النمط لا يختلف في بنيته العميقة عن ممارسات تاريخية كانت تتم داخل دوائر مغلقة يصعب الوصول إليها أو مساءلتها.

في العصور القديمة والوسطى، كان صاحب السلطة يمتلك قدرة شبه مطلقة داخل مجاله، وكانت القوانين تُصاغ غالباً لحماية النظام القائم أكثر مما تحمي الأفراد داخله. ومع أن الصورة لم تكن واحدة في كل الأزمنة والأمكنة، إلا أن وجود علاقة بين السلطة والجسد، وبين النفوذ والتحكم، ظل عنصراً متكرراً في كثير من الوقائع التاريخية. ومع دخول العالم العصر الحديث، بدأت مفاهيم جديدة تظهر: الكرامة الفردية، حقوق الإنسان، حماية القاصرين، وتجريم الاستغلال. لكن انتقال المجتمعات من منظومة إلى أخرى لا يحدث دفعة واحدة، بل يمر عبر مراحل طويلة تتعايش فيها أنماط قديمة مع قيم جديدة.

من هنا، يمكن فهم كيف أن ملفاً مثل ملف إبستين لم يُقرأ فقط كقضية جنائية، بل كمرآة تعكس تاريخاً كاملاً من اختلال موازين القوة، حيث كانت المرأة في بعض البيئات تُختزل في أدوار اجتماعية ضيقة، أو تُستعمل كوسيلة لإرضاء السلطة أو التقرب منها. غير أن الفرق الجوهري بين الماضي والحاضر يتمثل في أن ما كان يُدار في الظل أصبح اليوم قابلاً للانكشاف، وما كان يُقبل كأمر واقع أصبح محل مساءلة قانونية وأخلاقية.

العصر الحديث، رغم كل تناقضاته، نقل النقاش من الصمت إلى العلن. لم يعد النفوذ وحده كافياً لإغلاق الملفات، ولم تعد المكانة الاجتماعية حصانة مطلقة كما كانت في فترات تاريخية سابقة. الإعلام، والقضاء، والحركات الحقوقية، كلها عوامل ساهمت في تحويل مثل هذه القضايا إلى رأي عام عالمي، لا لأنها جديدة كلياً، بل لأنها كُشفت في زمن لم يعد يقبل الإخفاء كما كان يحدث في الماضي.

إن القول بأن ملف إبستين هو امتداد لمسار تاريخي لا يعني تبرير ما وقع، ولا اختزال التاريخ كله في صورة واحدة، بل يعني الاعتراف بأن استغلال السلطة ظاهرة قديمة متجددة، تتبدل أشكالها بتبدل الأزمنة. فحين تتجمع السلطة والمال والنفوذ في دائرة مغلقة، وتضعف الرقابة والمساءلة، يظهر دائماً خطر تحويل الإنسان إلى وسيلة بدل أن يبقى غاية.

ما تغيّر فعلاً ليس وجود الانحرافات في بعض البيئات، بل قدرة المجتمعات على كشفها ومحاسبتها. وهذا التحول هو الفارق الأكبر بين زمن القلاع والقصور وزمن الدول الحديثة. فالتاريخ لم يعد يُكتب فقط من داخل دوائر القوة، بل أيضاً من أصوات من كانوا مهمَّشين أو صامتين.

وهكذا تبدو القضية، في بعدها الأعمق، ليست مجرد ملف جنائي، بل حلقة ضمن صراع طويل بين منطق السلطة غير الخاضعة للمساءلة ومنطق الحقوق التي تسعى إلى تثبيت مكانة الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، ككائن له كرامته وحمايته القانونية. ومع كل انكشاف جديد، يتأكد أن المجتمعات، مهما تقدمت، تظل مطالبة بمراجعة ذاتها حتى لا تعود أنماط الماضي في صور جديدة وأسماء مختلفة

مشاركة