بقلم حسن نطير
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو كيف يمكن للعالم أن يهزم إيران، بل كيف يمكنه أن يتحرر من الارتهان الكامل للقرار الأمريكي في مجال الطاقة.
فالأزمة التي فجرتها الحرب حول مضيق هرمز كشفت أن أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي لم يعد فقط احتمال إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة، بل استمرار خضوع الدول الصناعية والخليجية لمنظومة أحادية تجعل واشنطن الطرف الوحيد القادر على فتح الصنبور أو إغلاقه، وفرض الأسعار، وتحديد من يحق له الوصول إلى النفط ومن يجب أن يحرم منه ،ومن هنا يبرز خيار كان إلى وقت قريب يبدو محرماً في الحسابات الغربية والخليجية: بناء تفاهمات مباشرة مع إيران، لا باعتبارها عدواً دائماً، بل باعتبارها جزءاً من الحل.
فإيران لا تمتلك فقط واحداً من أكبر احتياطات النفط والغاز في العالم، بل تسيطر عملياً على أهم عقدة جغرافية للطاقة العالمية. فمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز، يقع تحت النفوذ الإيراني، فيما يمتد تأثير حلفائها إلى باب المندب والبحر الأحمر. وهذا يعني أن أي مشروع للأمن الطاقي لا يمكن أن ينجح من دون تفاهم مع طهران.
لقد حاولت الولايات المتحدة لعقود أن تقنع العالم بأن الطريق الوحيد لحماية إمدادات الطاقة يمر عبر الأساطيل الأمريكية والقواعد العسكرية وحلف الناتو،لكن ما يحدث اليوم يثبت العكس تماماً. فواشنطن لم تعد تعرض الحماية بقدر ما تعرضها للبيع.
في ذروة أزمة هرمز، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخطاب غير مسبوق، معلناً نهاية مفهوم الحماية المجانية. وبلهجة حادة، قال إن «إيران تعرضت لتدمير واسع، وإن الجزء الأصعب من الحرب انتهى»، قبل أن يوجه رسالته الحقيقية إلى حلفائه الذين رفضوا المشاركة العسكرية،فمن وجهة نظره، لا يحق للدول التي بقيت على الحياد أن تطالب الآن بتأمين الملاحة أو بخفض أسعار الطاقةولذلك لم يتردد في القول: «لن نكون موجودين لمساعدتكم، كما لم تكونوا موجودين لمساعدتنا» ،ثم ذهب أبعد من ذلك عندما دعا هذه الدول إلى إرسال أساطيلها بنفسها إلى الخليج وفتح مضيق هرمز بالقوة، وكأن الولايات المتحدة تريد أن تدفع حلفاءها إلى خوض الحرب بدلاً عنها، أو أن تتركهم يختنقون تحت وطأة الأزمة ،لكن الأخطر أن ترامب لم يخفِ البعد التجاري لهذا الموقف، حين دعا الدول المتضررة إلى شراء النفط والغاز الأمريكيين، مهما كانت الأسعار وبذلك تحولت الحرب، في نظر واشنطن، إلى فرصة استثنائية لتحويل المخزون الأمريكي من النفط إلى أداة للهيمنة السياسية والاقتصادية،غير أن هذا المنطق الأمريكي بدأ ينتج أثراً معاكساً تماماً ،فبدلاً من تعزيز وحدة المعسكر الغربي، أخذت الأزمة تدفع حلفاء واشنطن إلى التشكيك في جدوى استمرار التبعية لها.
وقد ظهرت أولى علامات هذا التمرد داخل حلف الناتو نفسه ،فإسبانيا أعلنت إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في الحرب على إيران، ورفضت استخدام قواعدها العسكرية في أي عمليات مرتبطة بالمواجهة، أما إيطاليا، فقد ذهبت بدورها إلى منع الطائرات الأمريكية المحملة بالأسلحة من استخدام قاعدة سيغونيلا في صقلية، في خطوة تعكس رفضاً متزايداً لتحويل الأراضي الأوروبية إلى منصة لحرب لا ترى فيها هذه الدول مصلحة مباشرة،ولم يعد الأمر يتعلق بخلاف تقني أو دبلوماسي محدود، بل بانقسام سياسي عميق داخل الحلف الأطلسي، فهناك دول أوروبية بدأت تعتبر أن الحرب ضد إيران ليست حربها، وأن الولايات المتحدة تحاول جر أوروبا إلى مواجهة ستدفع هي ثمنها الاقتصادي والأمني، فيما تجني واشنطن الأرباح من بيع الطاقة والسلاح.وفي المقابل، تبدو فكرة التفاهم مع إيران أقل كلفة وأكثر واقعية فدول الخليج تدرك أن أي مواجهة مفتوحة ستجعل منشآتها النفطية وموانئها أول الضحايا ،وأوروبا تعرف أن استمرار العقوبات والصدام مع إيران سيبقيها رهينة لأسعار الطاقة المرتفعة وللابتزاز الأمريكي. أما الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، فإنها تدرك أن أمنها الاقتصادي لا يمكن أن يبقى رهيناً لقرار يصدر من البيت الأبيض.
وفي هذا السياق، يبرز عامل آخر بالغ الأهمية، يتمثل في انعكاسات أي تقارب خليجي–أوروبي–آسيوي مع إيران على المشروع الإقليمي الإسرائيلي.،فإسرائيل بنت خلال السنوات الأخيرة جزءاً كبيراً من استراتيجيتها على تقديم نفسها باعتبارها الشريك الأمني الضروري في مواجهة إيران، وعلى تحويل الخوف من طهران إلى مدخل لتوسيع نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي داخل المنطقة،لكن إذا اتجهت دول الخليج وأوروبا وشرق آسيا إلى التفاهم مع إيران بدل الدخول في حرب معها، فإن ذلك سيضعف بشكل مباشر الأساس الذي يقوم عليه هذا المشروع. فحين تنتفي صورة إيران باعتبارها «العدو المطلق»، ستفقد إسرائيل أهم ورقة استخدمتها لتبرير التوسع الإقليمي، وتعزيز التحالفات العسكرية، وربط أمن المنطقة بالدور الإسرائيلي وقد يؤدي هذا التحول إلى تعميق الانقسامات داخل إسرائيل نفسها، بين تيارات ترى أن استمرار سياسة المواجهة والعسكرة لم يعد يحقق الأمن، وبين تيارات أخرى تعتبر أن تراجع الدعم الدولي والإقليمي سيجعل الدولة العبرية أكثر عزلة وأقل قدرة على فرض توازناتها السابقة،وبذلك، فإن أي محور جديد يقوم على التفاهم مع إيران لن يضعف فقط الهيمنة الأمريكية، بل قد يفرض أيضاً إعادة رسم عميقة للتوازنات الإقليمية، ويحد من قدرة إسرائيل على مواصلة مشروعها التوسعي بالشكل الذي عرفته المنطقة خلال السنوات الأخيرة،لكن المفارقة أن الحرب الدائرة اليوم لا تبدو في مصلحة أي طرف، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها. فواشنطن، في نظر عدد متزايد من حلفائها وخبرائها، تبدو وكأنها انجرت وراء إسرائيل بشكل شبه أعمى، من دون أهداف واضحة أو استراتيجية قابلة للتحقق ،فالولايات المتحدة لم تنجح حتى الآن في إقناع العالم بأن الحرب على إيران ضرورة دولية، كما فعلت سابقاً في العراق أو في الحرب ضد تنظيم «داعش». وعلى العكس من ذلك، فإن صورة إيران بدأت تتحول تدريجياً، في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي، من دولة يُراد عزلها إلى طرف يتعرض للاعتداء.ويعود ذلك أساساً إلى ضعف المبررات التي تقدمها واشنطن وتل أبيب ،فالرواية القائمة على أن إيران تسعى إلى امتلاك سلاح نووي أو إلى تطوير قدراتها الصاروخية لم تعد تلقى التصديق نفسه الذي كانت تحظى به في السابق فمنذ انكشاف حقيقة الذرائع التي استخدمت لتبرير غزو العراق، أصبح جزء كبير من العالم أكثر تشككاً في الخطاب الأمريكي حول «التهديدات» و«أسلحة الدمار الشامل» كما أن هناك عاملاً آخر أكثر تأثيراً في الساحة الدولية، يتمثل في إعلان إسرائيل بشكل متزايد عن رؤيتها لما تسميه «الشرق الأوسط الجديد»، وهي رؤية يراها كثيرون مشروعاً توسعياً يهدف إلى إعادة رسم خرائط المنطقة وفرض توازنات جديدة بالقوة.
هذا الخطاب الإسرائيلي، إلى جانب الحرب في غزة وما رافقها من دمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، أدى إلى تراجع غير مسبوق في صورة إسرائيل على المستوى الدولي. فبدلاً من أن تظهر باعتبارها شريكاً طبيعياً يمكن بناء تحالف عالمي معه، أصبحت في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي كياناً معزولاً ومتَّهماً باستخدام القوة المفرطة.ولهذا السبب، لم تتمكن الولايات المتحدة من تشكيل التحالف الدولي الواسع الذي نجحت في بنائه خلال غزو العراق أو أثناء الحرب ضد تنظيم «داعش». فالكثير من الدول الأوروبية والآسيوية والخليجية باتت ترى أن هذه الحرب لا تخدم الأمن العالمي بقدر ما تخدم الحسابات الإسرائيلية.
غير أن هذا التحول المحتمل لن يمر من دون رد فعل أمريكي وإسرائيلي فإذا بدأت دول الخليج وأوروبا وشرق آسيا تميل فعلاً إلى خيار التفاهم مع إيران، فإن واشنطن وتل أبيب ستجدان نفسيهما أمام خطر استراتيجي غير مسبوق: خطر العزلة وفقدان القدرة على التحكم في أسواق الطاقة والتحالفات الدوليةوهنا يبرز السؤال الأكثر خطورة: هل سيقبل صناع القرار في البيت الأبيض وإسرائيل بهذا التحول بهدوء، أم أنهم سيسعون إلى خلط الأوراق ومنع تشكل هذا المحور الجديد؟
تاريخ السياسة الدولية يظهر أن القوى الكبرى، عندما تشعر بأن نفوذها مهدد، لا تتردد غالباً في صناعة أزمات جديدة أو تضخيم أخطار قائمة من أجل إعادة حشد الحلفاء حولهاوقد يحدث ذلك عبر توسيع دائرة الصراع، أو افتعال أزمات أمنية، بعد الفشل في تضخيم التهديد الإيراني، أو حتى خلق مواجهات جديدة في مناطق أخرى لإجبار الدول المترددة على العودة إلى المظلة الأمريكية،وفي حال تعمق الانقسام داخل الناتو، قد تجد الولايات المتحدة نفسها لأول مرة منذ عقود أمام مواجهة سياسية وربما اقتصادية حادة مع بعض حلفائها الأوروبيين. فالدول التي ترفض الحرب وترفض تحويل أراضيها وقواعدها إلى منصة للمواجهة قد تتعرض لضغوط أمريكية غير مسبوقة، سواء عبر العقوبات أو الابتزاز الاقتصادي أو التهديد بسحب الحماية العسكرية.
أما سيناريو الصدام العسكري المباشر بين واشنطن وبعض حلفائها الأوروبيين، فإنه يبقى احتمالاً بعيداً للغاية، لأن كلفته ستكون مدمرة على الجميع، ولأن التحالف الأطلسي ما يزال يشكل ركناً أساسياً في توازنات الغرب. لكن مجرد طرح هذا الاحتمال يعكس حجم التوتر الذي قد ينشأ إذا شعرت الولايات المتحدة بأن أوروبا بدأت تفلت من قبضتها.
والأرجح أن أي محاولة أمريكية لمنع التقارب مع إيران لن تأخذ شكل حرب عالمية ثالثة بالمعنى التقليدي، بل قد تظهر في صورة حروب بالوكالة، وأزمات اقتصادية، وصراعات بحرية، وحملات ضغط سياسي وإعلامي واسعة تهدف إلى إعادة العالم إلى معادلة الخوف القديمة لهذا، قد يكون العالم أمام بداية تحول تاريخي: من منطق الأحلاف العسكرية إلى منطق التفاهمات الطاقية. فبدلاً من أن تعتمد أوروبا والخليج وشرق آسيا على الحماية الأمريكية، يمكنها أن تؤسس مع إيران، وربما مع الصين وروسيا، منظومة جديدة للأمن الإقليمي تقوم على ضمان حرية الملاحة واستقرار أسعار الطاقة، بعيداً عن منطق الحرب والابتزاز.
إن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع هذه الدول أن تواجه إيران؟ بل: هل تملك الجرأة الكافية لكي تقول «لا» لأمريكا؟ وهل تستطيع أن تتحرر من وهم أن الناتو وواشنطن هما الطريق الوحيد إلى الأمن؟ما يحدث اليوم داخل الحلف الأطلسي يوحي بأن الجواب بدأ يتشكل. فحين تغلق إسبانيا وإيطاليا مجاليهما وقواعدهما في وجه الطائرات الأمريكية، فإنهما لا تعارضان حرباً فقط، بل تعلنان للمرة الأولى أن زمن الطاعة المطلقة لواشنطن قد بدأ يتصدع. وربما تكون هذه هي اللحظة التي يبدأ فيها العالم، ولو ببطء، البحث عن نظام جديد لا يحتكر فيه طرف واحد النفط، ولا الممرات البحرية، ولا قرار الحرب والسلام
إذا استطاعت إيران الصمود في الحرب خلال الأسابيع المقبلة، فإن هذا سيكون بمثابة اختبار حقيقي لقوة التوازن الإقليمي وقدرة الدول على إعادة النظر في استراتيجياتها. فالعالم يواجه أزمة طاقة حادة تضرب دولاً عديدة في الغرب، وتفكر هذه الدول اليوم في التوجه نحو تفاهمات إقليمية مع إيران لتخفيف آثار الأزمة وضمان استقرار الأسواق لان إيران، التي تتحكم بمفاصل حرجة للطاقة مثل مضيق هرمز وباب المندب اصبحت طرفاً أساسياً في أي معادلة للأمن الطاقي، مما يضع الدول الغربية والخليجية أمام خيار حقيقي: إما المراهنة على المواجهة والخسائر المحتملة، أو الانخراط في تفاهمات إقليمية تضمن مرور الطاقة بسلاسة ،الصمود الإيراني سيعزز جدوى هذه التحالفات، ويضعف المشاريع التوسعية الإسرائيلية التي تعتمد على دعم الغرب، كما يضع حلفاء أمريكا أمام معضلة تاريخية، خصوصاً بعد الانقسامات التي بدأت تظهر داخل الناتو وإجراءات مثل إغلاق إسبانيا وإيطاليا مجاليهما الجوي أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في الحرب على إيران
إن هذا التوجه نحو التفاهم الإقليمي يمكن أن يشكل بداية تحول استراتيجي، يعيد رسم خريطة التحالفات العالمية، ويمنح العالم فرصة للخروج من تبعية هيمنة طرف واحد على الطاقة وأمنه.

