سياسيون بالصدفة ويساريون بالكلام: حين تصبح البطالة أيديولوجيا.

نشر في: آخر تحديث:


بقلم: معاذ فاروق

في زمن الرداءة، يبدو أن السياسة تحولت إلى مرآة تعكس صوراً عبثية لا تمت للواقع بصلة. هنا، نجد أولئك الذين احترفوا التلاعب باسم الأحزاب السياسية، وهم غالباً من أصحاب المهن غير المعروفة، تلك التي تبدأ عادة بجملة “أنا مهتم بالشأن العام”. لا مهنة واضحة، ولا كفاءة تُذكر، لكن لديهم قدرة خارقة على الحديث لساعات، يصنعون من اللاشيء قضية، ويحولون أي لقاء حزبي إلى حفلة صخب فارغ.وعلى الجانب الآخر من المشهد، هناك فئة أخرى تتقن فن “التثاؤب الأيديولوجي”. مجموعة من الشباب الذين يرفعون رايات الانتماء اليساري، يدّعون أنهم حملة مشاعل الفكر التقدمي، ويُلقون خطباً حماسية عن النضال الطبقي، بينما واقعهم يقول عكس ذلك تماماً. أغلبهم يعاني من بطالة مقنعة، يعيشون في مقاهي الأحياء الشعبية، يناقشون “ديكتاتورية البرجوازية” وهم يتشاركون ثمن الشاي، وربما يطلبون من النادل “قليلاً من السكر الإضافي”.الشباب اليساري المزيف هذا لديه قدرة هائلة على تحويل أي نقاش إلى جدال بلا نهاية. يتحدثون عن القضايا الكبرى وكأنهم شربوا من كأس المعرفة المطلقة. لكن إذا اقتربت منهم قليلاً وسألتهم عن مشاريعهم الشخصية أو خططهم المستقبلية، ستكتشف أنهم عاجزون حتى عن ملء استمارة بحث عن عمل. إنهم يرفعون شعارات التغيير، لكن التغيير الوحيد الذي يجيدونه هو تغيير مكان جلوسهم في المقهى.
أما محترفو النصب السياسي، فقد أصبحوا خبراء في تحويل الأحزاب إلى ملاجئ دافئة. يدخلون الاجتماعات الحزبية كما يدخل المتسول مسجداً، لا بنية العبادة، بل بحثاً عن صدقة. يوزعون الابتسامات هنا وهناك، ويطلقون الوعود قليلاً يميناً وكثيراً يساراً، وكأنهم يملكون مفاتيح الجنة التنموية. وفي نهاية المطاف، يغادرون بنفس الطريقة التي دخلوا بها: فارغين من كل شيء سوى الشعارات.الطريف أن كلاً من هؤلاء “السياسيين المزعومين” و”اليساريين الحالمين” يشتركون في شيء واحد: أسلوب السفسطة. لكن الكلام، مهما كان لامعاً، لا يدفع فواتير الكهرباء، ولا يبني الجسور، ولا يحل مشكلات البطالة التي يعانون منها هم أنفسهم. إنهم يجسدون المفارقة الكبرى: دعاة الإصلاح الذين يحتاجون إلى إصلاح أنفسهم أولاً.أما المواطن البسيط، فقد أصبح يرى في هؤلاء كوميديا مجانية. يجلس في زاوية المقهى، يتابع نقاشاتهم الساخنة حول “الوعي الطبقي” و”النظام العالمي”، ثم يعود إلى بيته ليواجه واقعه الحقيقي، واقع يتطلب عملاً حقيقياً، لا خطباً حماسية أو شعارات فارغة.وهكذا، يستمر العرض البائس، حيث تصبح السياسة ملعباً للهواة، والمنابر الحزبية مسارح للتمثيل الرديء. والسؤال الذي يبقى معلقاً: متى ينتهي هذا المسلسل الهزلي؟ متى يتحول الكلام إلى أفعال، والخطب إلى مشاريع، والأحلام إلى حقائق؟ ربما الإجابة تكمن في مكان بعيد عن هذه المقاهي المليئة بالكلام، وفي عقول أناس يعملون بصمت، بعيداً عن أعين محترفي الشعارات.
“و كل تشابه في الوصف و الانتماء و البعد الأيديولوجي فهو عن قصد ( مول الفز يقفز )”

اقرأ أيضاً: