صوت العدالة- عبد الكبير الحراب
تفجّر ملف الاختلالات المالية بجماعة مولاي عبد الله عقب شكاية تقدمت بها المنظمة المغربية لحماية المال العام إلى الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، استنادًا إلى معطيات تقرير المفتشية العامة لوزارة الداخلية، الذي رصد خروقات وُصفت بالخطيرة خلال فترة جائحة “كورونا”.
وكشف التقرير أن الجماعة قامت بصرف إعانات مالية لفائدة عدد من الجمعيات بلغت حوالي 999 مليون سنتيم سنة 2020، و690 مليون سنتيم سنة 2021، استفادت منها 14 جمعية، في وقت تم فيه إقصاء جمعيات وفرق رياضية من الدعم سنة 2021 رغم مصادقة المجلس الجماعي بالإجماع على استفادتها، ما يطرح علامات استفهام حول معايير التوزيع وشفافية القرار.
كما أشار التقرير إلى صرف ما يفوق مليار و600 مليون سنتيم لفائدة جمعيات نظمت أنشطة وُصفت بـ”الوهمية”، خلال فترة كانت فيها البلاد تعيش حالة طوارئ صحية وإغلاقًا شبه كلي للأنشطة.
وفي ما يخص القطاع الاجتماعي، سجل التقرير اختلالات كبيرة في تدبير دعم النقل المدرسي، حيث استفادت فيدرالية جمعيات مولاي عبد الله من مبالغ ضخمة بلغت 484 مليون سنتيم سنة 2020 و400 مليون سنتيم سنة 2021، رغم توقف الدراسة الحضورية منذ 20 مارس 2020. كما لم يتم الإدلاء بمبررات صرف هذه الأموال، في ظل غياب أي تتبع فعلي من طرف مصالح الجماعة، سواء من حيث عدد المستفيدين أو الوضعية القانونية لوسائل النقل أو شروط السلامة.
أما جمعية دار الطالبة، فقد سجل التقرير بدوره غياب تبرير صرف الدعم خلال سنة 2020، رغم توقف الدراسة، إلى جانب اختلالات في شروط الإيواء، من بينها الاكتظاظ وعدم احترام الطاقة الاستيعابية، في ظروف تتنافى مع التدابير الاحترازية المفروضة خلال الجائحة.
وفي السياق ذاته، استفادت جمعية أمغار للشؤون الثقافية من 320 مليون سنتيم سنة 2020 و50 مليون سنتيم سنة 2021 لتنشيط “موسم مولاي عبد الله”، رغم منع الأنشطة الثقافية، مع تسجيل صرف الأموال في مجالات لا تدخل ضمن موضوع الاتفاقية، ودون الرجوع إلى المجلس الجماعي.
أمام هذه الوضعية، برز توجه جديد على مستوى إقليم الجديدة يروم القطع مع هذا النموذج التدبيري، من خلال إحداث شركة للتنمية المحلية، بإشراف عامل الإقليم، كآلية مؤسساتية بديلة لتدبير قطاعات حساسة، وعلى رأسها النقل المدرسي.
وتكتسي هذه الشركة أهمية خاصة، باعتبارها إطارًا حديثًا للحكامة، يهدف إلى ترشيد النفقات، وتعزيز الشفافية، وضمان تتبع دقيق لكيفية صرف المال العام، بدل تركه رهينًا لاجتهادات جمعوية أثبتت التجربة محدوديتها، بل وخطورتها في بعض الحالات.
كما أن هذا النموذج سيمكن الجماعات من المساهمة بميزانيات أقل بكثير مقارنة بما كانت تصرفه سابقًا، مقابل ضمان خدمات مؤطرة قانونيًا، خاضعة للمراقبة والمحاسبة، بما يحد من مظاهر الريع واستغلال الدعم العمومي.
غير أن هذا التوجه الإصلاحي لم يمر دون مقاومة، إذ تشير معطيات إلى تحركات تقودها بعض الجهات المستفيدة من الوضع السابق، من خلال محاولة الضغط للتراجع عن إسناد هذه المهام لشركة التنمية المحلية، عبر خلق تكتلات نقابية مرتبطة ببعض الجمعيات.
وفي ظل استمرار تداول الملف أمام محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بتهم تتعلق بهدر المال العام، تتعالى مطالب فعاليات المجتمع المدني بضرورة تسريع وتيرة البت في هذا الملف، وترتيب المسؤوليات، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتبقى شركة التنمية المحلية، في هذا السياق، خيارًا استراتيجيًا لا فقط لإيقاف نزيف المال العام، بل لإرساء نموذج تدبيري جديد قائم على النجاعة والشفافية، بما ينسجم مع تطلعات المواطنين نحو حكامة جيدة وخدمات عمومية ذات جودة.

