الرئيسية آراء وأقلام المحاماة والدولة: شراكة وجودية لا صراع إرادات: ​تفنيد خطابات “الشيطنة” وقراءة في خلفيات الاحتجاج المهني:

المحاماة والدولة: شراكة وجودية لا صراع إرادات: ​تفنيد خطابات “الشيطنة” وقراءة في خلفيات الاحتجاج المهني:

6351666607389 528x410 1
كتبه كتب في 2 فبراير، 2026 - 3:24 مساءً

ذ/ يوسف عبد القاوي

​منذ زمن، كانت المحاماة ولا تزال “القضاء الواقف“، والجناح الثاني للعدالة الذي لا تستقيم بدونه دولة الحق والقانون.
إن محاولات تصوير احتجاج المحامين اليوم على أنه “لي ذراع للدولة” أو سعي وراء “قانون على المقاس“، ليست سوى قراءة قاصرة، أو ربما متعمدة، تخلط بين معارضة تدبير حكومي قطاعي وبين الولاء لمؤسسات الدولة.

​أولا: المحامون في طليعة بناة الدولة (الذاكرة لا تخون):

​لم تكن المحاماة يوما مجرد مهنة للاسترزاق، بل كانت “خزان الأطر” ومشتلا لرجالات الدولة:
​تغذية المؤسسات: المحامون هم من أثثوا البرلمانات المتعاقبة بوعيهم القانوني، وهم من رفدوا الأحزاب السياسية بالكفاءات التي صاغت أدبيات التعددية والدمقرطة.
​اللامركزية: ساهم المحامون بقوة في بناء الجماعات المحلية وإنجاح تجربة اللامركزية، مقدمين خبراتهم القانونية لخدمة التنمية المحلية.
​الدفاع عن الثوابت: من يزايد على وطنية المحامين، عليه أن يتذكر مرافعاتهم الدولية والوطنية عن قضية الصحراء المغربية، وانخراطهم العفوي والسخي في المبادرات الوطنية الكبرى (بناء مسجد الحسن الثاني، صندوق جائحة كورونا)، وهم الذين تعففوا دائما عن طلب دعم مادي من الدولة، محافظين على كبريائهم المهني.

​ثانيا: الاحتجاج ليس “ردة” بل هو صيانة للدستور:

​رفض المحامين لمشروع القانون 66.23 ليس تمردا على الدولة، بل هو ممارسة دستورية راقية لحماية “الأمن القضائي” للمواطن:
​الاستبداد التشريعي: إن محاولة تمرير قوانين تمس بحصانة الدفاع واستقلالية المهنة عبر الاستقواء بالأغلبية العددية، هو الذي يمثل تراجعا عن المكتسبات الحقوقية التي حققها المغرب.
​استقلال المهنة = استقلال القضاء: لا يمكن تصور محاكمة عادلة بمحام “مقيد” أو مسلوب الاختصاصات، الدفاع عن استقلال المهنة هو في جوهره دفاع عن حق المواطن في حماية قانونية حقيقية.
​غياب التشاركية: إن إقصاء المحامين من إعداد القوانين المنظمة لمهنتهم هو خرق لروح الدستور الذي ينص على الديمقراطية التشاركية.

​ثالثا: المحامي شريك في العدالة وليس “أجيرا” لدى الوزارة:

​المحاماة خدمة عمومية، والمحامي ملزم بأخلاقيات المهنة وواجب الدفاع. وعندما يحتج المحامي، فهو يحذر من “أخطاء تشريعية” قد تؤدي إلى اختلالات بنيوية في منظومة العدالة:
​المحامون ضد الفوضى: نضالهم يهدف إلى تجويد النصوص القانونية لتتلاءم مع المبادئ الدستورية والاتفاقيات الدولية.
​الوطنية الحقة: الوطنية ليست “بصماً بالعشرة” على كل مشروع قانون، بل هي الجرأة في قول “لا” عندما يمس النص بجوهر العدالة وحقوق المظلومين.
​خلاصة القول، إن من يحاول تصوير الصدام على أنه بين “المحامي والدولة” يرتكب خطيئة في حق الوطن. الصراع الحقيقي هو بين رؤية تقنوقراطية ضيقة تحاول تحجيم دور الدفاع، وبين رسالة مهنية نبيلة ترى في استقلال المحاماة صمام أمان لاستقرار الدولة واستمرار مؤسساتها.
​المحاماة ستبقى نبيلة، ودولتنا ومصالحها العليا تقتضي منا احترام “فرسان الحق” لا شيطنتهم.

مشاركة