الرئيسية آراء وأقلام ولادة نظام مالي عالمي جديد

ولادة نظام مالي عالمي جديد

كتبه كتب في 17 أكتوبر، 2022 - 2:10 صباحًا

بالإشارة إلى ما نشرناه الأحد قبل الماضي حول حتميَّة وقوع النزاع المسلح بين روسيا وأوكرانيا ودخول الولايات المتحدة في الصراع، فإنَّه من أهمِّ ما يجب الوقوف عليه هو المسبِّب الاقتصادي وأثره الراهن أثناء الحرب وأبعاده بعد تغيير النظام في أوكرانيا، وهو بشكل مختصر كما يلي، من وجهة نظر الإدارة الأمريكية، تودُّ إعادة تفعيل دور الحرب الباردة لسبَبين، الأول إضعاف روسيا اقتصاديًا من خلال العقوبات الاقتصادية، والثاني تفعيل دورة التمويل غير المحدود للصناعات العسكرية الأمريكية بتمويل خارجي أوروبي غير مباشر عبر التجارة الدولية، وتحقيق فائدة مالية كُبرى للنخبة المستفيدة من قطاع الصناعات العسكرية الأمريكية والممول كذلك من الضرائب، طبعًا بما يعكس مجموعةً من المصالح الخاصة التي قد لا تتقاطع أحيانًا مع مصلحة الدولة.

أمَّا من ناحية استراتيجية، فمن خلال وقوع هذه الحرب تعتقد الإدارة السياسية والمالية في الولايات المتحدة أنَّها تستطيع أن تمدد عمر اتفاقيات الدولار لحقبة زمنية جديدة في ظلِّ الصراع العالمي، وهذا مُمكن ولكن لابدَّ من طرح وجهة النظر الروسية، والتي تتمحور حول اتجاهين أحدهما تكتيكي، والآخر استراتيجي، الأوَّل حول ضمان عدم تمدُّد حلف الناتو داخل أوكرانيا بما يشكل تهديدًا للأمن القومي الروسي، والثاني والأهم هو بناء منظومة مالية دولية مستقلة عن نظام (السويفت) الدولي القائم والذي يعادل كل العمليات المالية في التجارة الدولية بالدولار الأمريكي، والخُطة المقترحة لذلك ستكون من خلال عدة آليات، أولًا: تجارة الغاز والبترول الروسي مع أوروبا من خلال نظام تحويلات جديد مبتكر بعيدًا عن نظام (السويفت)، وذلك طبعًا بعد تطبيق العقوبات الاقتصادية عليها، ثانيًا تفعيل نظام التجارة الدولي بين روسيا والصين من جهة والعالم من الجهة الأخرى من خلال النظام الجديد، وذلك اعتمادًا على معلومات دقيقة تفيد بأنَّ مساهمة الصين في الإنتاج العالمي تقترب من 19% «إنتاج تجاري» في الوقت الذي تساهم الولايات المتحدة بإنتاج كلي يشمل (الصناعات العسكرية والإنتاج التجاري) بنسبة 22% تقريبًا، وللتوضيح تشكل مساهمة الصناعات العسكرية تقريبًا نصف الناتج الإجمالي الأمريكي، بشكل تقديري، وبالتالي فإنَّ الصين وحدها تتفوق على الولايات المتحدة في المساهمة في الإنتاج الدوليّ، والنتيجة باختصار أنَّ المخطط الروسي باجتياح أوكرانيا هو الأداة الفعَّالة لتغيير النظام المالي العالمي (نظام الدولار) الذي كان قد وصل فعليًا نهايته العملية، إلى نظام مالي جديد.

الخلاصة أنَّ هذا التحوُّل سيمرُّ بمراحل صعبة وسيؤثر على سلاسة تدفق البضائع حول العالم، ما قد يقود إلى ارتفاع الأسعار، ولكن في النهاية سيتم الاتفاق على قاسم مُشترك للنظام المالي العالمي بصورة جديدة كُليًا، ستكون بلا شكٍّ أفضل مما كان عليه.

مشاركة