الرئيسية آراء وأقلام كلود وكاترين:انتصارا لشيخوختهما، انتصارا لقضائنا

كلود وكاترين:انتصارا لشيخوختهما، انتصارا لقضائنا

كتبه كتب في 27 أكتوبر، 2022 - 10:16 صباحًا

بقلم : أحمد اشرف مجدول

لم يكن اللقاء بالسيد كلود الفرنسي الثمانيني وزوجته السيدة كاترين سهلا كما اعتقدت. لقد اعتقدت في البداية بأني سألتقي بكوبل فرنسي لديهما مشكلة مع جارهما المغربي البالغ هو الآخر من العمر 80 سنة، وبأن المشكلة بسيطة ككل مشاكل الجيران التي نسمع بها دائما، والأجانب فقط قد يضخمونها.

كان لقائي بالرجل بمكتب محامي الزوجين الفرنسيين الأستاذ محمد نخلي محام بهيئة مراكش، التقينا، واطلعت على جميع الوثائق، واستمعت إلى الشروحات، وبدأت أشعر بأن الملف أعقد مما تخيلت، وليس بالبساطة التي تصورت.

حدثني السيد كلود الذي بلغ من الكبر عتيا، ويعاني من إعاقة حركية على مستوى قدمه، عن قدومه إلى مراكش سنة 1999 رفقة زوجته، وكيف اقتنى أرضا شرع بعد عام في بناء منزله الخاص فوقها، وخلال ذلك تردد على نواحي مراكش، فشدته طيبة الناس البسطاء، وزعزعت حاجتهم ضميره، فأنشأ جمعية ذات أهداف إنسانية غايتها مساعدة ساكنة المناطق الجبلية في حفر آبار وبناء مدارس من أجل تمدرس الفتاة. قال كلود: “كنت أرى بنات صغيرات في السن بدل أن يذهبن الى المدرسة كنت أراهن يحملن الدلو من أجل جلب الماء، كانت هده هي المهمة الملحة التي تحرمهن من الدراسة، ففكرت في المساعدة على تغيير هذا الوضع، وحفرت باسم الجمعية آبارا قريبة من الساكنة، جلبنا كل المعدات وتكلفنا بالإنشاءات، وانخرطت الساكنة بشغف وحب في إتمام المشروع، وزودتنا باليد العاملة التي احتجنا إليها… وعملنا بحماس وجهد متواصلين حتى تحقق الهدف، وتمكنت الفتيات من الالتحاق بالمدارس التي أنشأناها لهذه الغاية، ولم يعد جلب الماء هما مزمنا”.

التحقت بنا زوجة كلود السيدة كاترين، فانطلق الحديث عن المشكلة التي من أجلها سافرت للقاء بهما. تحدث كلود عن مشكلته مع جاره المغربي، واختفت الابتسامة التي كانت قبل قليل تفضح انشراح الرجل ساعة حديثه عما فعله لسكان القرى الجبلية، وغطى الحزنُ الفرحَ الطفولي الذي كان يشع من عينيه وهو يستعرض ما يعانيه، ففوجئت في ثنايا كلام الزوجين الفرنسيين بمدى تعلقهما بالمغرب، ومدى عشقهما للمغاربة عشقا ـ بكل صراحة ـ لم ألمسه يوما من فرنسيين بنفس القوة، ونفس الصدق.

الزوجان الفرنسيان بعد سنوات هادئة ورائعة قضياها في المغرب، عاشا كابوسا نغص عليهما حياتهما مع جار مغربي سكن سنة 2016 بالمنزل المجاور التي يوجد بأرضه ممر يؤدي إلى منزلهما مسجل في شهادة الملكية الخاصة بهما. قاما بدعوته رفقة زوجته إلى منزلهما كما تجري العادة مع الجيران الجدد، وقدم إليهما نفسه بصفة كولونيل ماجور في سلاح الجو، الأمر الذي أسعدهما باعتبار جارهما الجديد يشتغل تحت إمرة صاحب الجلالة، مهنته وصفته العسكرية الانضباطية ستكونان لا محالة عنوانا للاحترام. حتى مرت أيام وفوجئ كلود بجاره يهاجمه، ويمنعه من استخدام الممر، ويقوم بالمستحيل من أجل انتهاك حقه في ذلك، ضاربا بعرض الحائط أحكاما ومقررات قضائية، ومستخدما أساليب “شبه إرهابية” زادت من عذاب الزوجين، وجعلت حياتهما سلسلة متواصلة من المعاناة.

(القصة/ المشكلة كاملة للزوجين الفرنسيين كما جاءت على لسانهما تجدونها في هذا الرابط

وأنا أستمع إلى السيد كلود، كنت ألمس فيه انتماء الرجل إلى هذا الوطن، مازال رغم كل ما حدث ويحدث له يكن تقديرا خاصا للمغرب ومؤسساته، واحتراما بالغا للمغاربة وفئاته… رغم أنه لم يخف صدمته مما حدث، إذ قال: “علمت أن الإسلام يوصي بعاشر جار، ومن آذاني هو جاري الأول. فلم يرحم سني، ولا إعاقتي”. كما لم يخف السيد كلود انزعاجه من الجبروت الذي يتصرف به هذا الجار دون رادع، جعله يعتدي ويزور ويهين مقررات قضائية ويدوس على كل التقاليد والأعراف والقوانين دون أن يجد من يقول له: كفى.

السيدة كاترين زوجة السيد كلود كانت تتابع حديث زوجها وعيناها بللتهما الدموع، كانت تعرف أن ما يقوله زوجها أكبر من أن يفسر حجم المعاناة التي يعيشانها، فالكلمات وحدها لا تكفي. ورأيت في عينيها ألما صارخا ولكنه مكتوم، كانت تتألم وهي تحكي قساوة العيش بجانب جار لا يملك ذرة من الرحمة، الرحمة بسنهما وحالتهما الصحية. قالت كاترين: ” أنا وزوجي بعد تقاعدنا قررنا العيش في المغرب، لقد قضينا 15 سنة أكثر من رائعة، الشعب طيب للغاية، ومتعاون إلى حد كبير. عشقُنا للمغرب دفعنا الى إنشاء جمعية من أجل مساعدة الفتيات على التمدرس، وأنشأنا مدارس داخلية حتى يستطعن الدراسة، وخلقنا جمعية لممارسي الغولف ولعشاق الموسيقى… لدينا جار مغربي بجانبنا من أطيب الأصدقاء، وفي المقابل هناك جار لا أجد الوصف المناسب لوصفه”.

كانت كاترين تحكي عن معاناتها وزوجها مع هذا الجار، وأنا أفكر في صفته العسكرية، التي جعلتني متفقا تماما مع تساؤلاتها: كيف يعقل لشخص يمثل المؤسسة العسكرية، ويمثل صاحب الجلالة، أن يكون بهذه الأخلاق، وبهذه الدناءة؟ لكن سرعان ما انكشف الجواب، وكان مطابقا تماما لتوقعاتي، فلم يكن الجار يوما ضابطا في سلاح الجو، ولا ينتمي أصلا إلى المؤسسة العسكرية، بل هو منتحل صفة لترهيب الزوجين الفرنسيين، وترهيب الناس.

ليس هناك شك أبدا في عدالة مؤسساتنا، ولا يمكن للقضاء إلا أن ينصف هاذين الطاعنين في السن اللذين أحبا المغرب، وتعلقا به، وقررا الموت بأرضه، رغم أن إمكانياتهما تسمح لهما بالاستقرار في أي بلد في العالم. وليس أمامهما إلا التطلع لحكم المحكمة الذي يتمنى الزوجان أن يكون في صالحهما ويضع حدا لمعاناتهما، وإلا… وإلا ـ كما قالت كاترين ـ سيغادران المغرب وفي قلبيها حسرة، حسرة بالغة.

لا أدري لماذا تعاطفت مع كلود وكاترين، ولماذا تمنيت لو ينصفهما القضاء، هل انتصارا لشيخين بلغا من الكبر عتيا، أم انتصارا لسمعة القضاء المغربي؟

مشاركة