الرئيسية غير مصنف قرار البرلمان الأوروبي… ألم حاد .. وأمل جاد

قرار البرلمان الأوروبي… ألم حاد .. وأمل جاد

كتبه كتب في 19 يناير، 2023 - 10:45 مساءً

عبدالمولىالمروري

لقد خلف هذا لقرار في قلبي وجعاً، وحفر في نفسي إهانة وغصة، وزرع في عقلي حيرة..

وبدل أن نتسابق في إدانة قرار الإدانة، ونتسارع في تكذيب مرتكزاته والتشكيك في معطياته التي تأسس واستند عليها..

وبدل أن نعتمد وسيلة الهروب إلى الأمام، ونخفي الشمس بالغربال، أو ندس رؤوسنا في المال حتى لا نواجه الحقيقة والواقع..

لابد أن نساءل أنفسنا بكل مسؤولية وشجاعة..

ما الذي أوصل بلدنا إلى هذا الوضع الحقوقي إلى درجة أن نصبح نقطة في جدول أعمال البرلمان الأوربي، ومادة للنقاش في أروقته ولجنه وقاعته والعديد من المنابر الدولية؟

لنكن صرحاء مع ذواتنا، ولو لمرة واحدة..

هل فعلا ننعم بوضع حقوقي جيد ومريح في بلدنا؟
هل حرية الرأي والتعبير محمية حقوقيا وقانونيا كما تنص عليه الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟
ما هو حال الصحفيين والحقوقيين وكل مناضلي حقوق الإنسان، بمن فيهم المحامين؟
ما هو واقع الصحافة والإعلام؟

لقد تزامن هذا القرار مع تصفحي للعديد من الكتب التي تتناول حقوق الإنسان بالدراسة والتحليل، ولا سيما كتاب: الأبعاد الدولية لحقوق الأنسان Les dimensions internationales des droits de l’Homme لكاتبه كارل ڤاسك KARL VASK ، لأتعرف على مسار حقوق الإنسان الطويل والشاق، وتطوره من الناحيتين النظرية والواقعية، وأقف على هول الفجوة التي تجعلنا أبعد ما نكون عن تلك الحقوق التي تصنف على أنها طبيعية قبل أن نتحدث عن الحقوق الأساسية والرئيسية..

ماذا عن الحق في الصحة قبل الحقوق المدنية؟
ماذا عن الحق في التعليم قبل الحقوق السياسية؟
ماذا عن الحق في العيش الكريم قبل الحق في حرية التعبير؟
ماذا عن الحق في السكن قبل الحق في حرية الرأي؟

فإذا كان المواطن يفتقد إلى أبسط حقوقه الطبيعية، فكيف سيكون الأمر مع الحقوق المدنية والسياسية؟ وغيرها من الحقوق الكبيرة جدا؟ الحق في أن تعارض الدولة مثلا؟

المؤسف أن الدولة ابتكرت بعض الأساليب الخطيرة، والمغرقة في الابتذال، تجاوزت بذلك الأساليب التقليدية مثل التعذيب البدني والاختفاء القسري..

فبعد أن وضعت يدها على الأمن والقضاء والصحافة .. وأخذت تستعملهم كما تشاء.. ووقتما تشاء.. ومع من تشاء .. بالشكل الذي يخدم مصلحتها ويرسخ سياستها ويحمي نفوذها .. أصبحت تستهدف المعارضين أو المستقلين (صحفيين ومحامين ومناضلين ومواطنين عاديين).. وتصنع لهم الوقائع، وتكيف ضدهم القوانين، وتقرر من أجلهم الأحكام، وتنشر “فضائحهم” في الإعلام، بطريقة ناعمة.. ناعمة جدا ..

للأسف وقع ذلك مع حراك الريف، الذي حولته من حراك اجتماعي بمطالب اجتماعية، إلى عمل فوضوي تخريبي وانفصالي..

وحولت افتتاحيات توفيق بوعشرين الناصحة والصريحة والمعارضة إلى فتيات مغتصبات يتاجر بهن في مقر جريدته..

وحولت سليمان الريسوني من شخص غيور على وطنه.. وغاضب على واقع أمني وسياسي وحقوقي تزداد فظاعته وقتامته، إلى وحش يهتك عرض مثلي مجهول الهوية ونكرة في الوجود.. فأبدعت يد الأمن لتحوله إلى حقيقة وواقع..

وحولت عمر الراضي من صحفي اكتشف فساد خدام الدولة واستفادتهم مما ليس حقا لهم بل هو حق للشعب غيرة منه على الدولة، إلى شخص مغتصب وخائن للدولة..

وحولت غيرهم من أبناء هذا الوطن المفجوع من أشخاص مخلصين لهم غيرة على وطنهم .. وتكلموا بعفوية وتلقائية في لحظة غضب، إلى مجرمين وخونة ومتنطعين..

ما غاب عن أصحاب الشأن والقرار أن التطور والإبداع الذي عرفه مجال انتهاك حقوق الإنسان، قد واكبه تطور آخر في مجال الكشف عن هذه الانتهاكات.. فالمنتظم الدولي .. والمنظمات والهيئات الحقوقية الدولية لن تنطلي عليهم الحيل المبتكرة والناعمة المنتهكة لحقوق الإنسان ..

لذلك أعتقد أنه قد حان الوقت من أجل وضع مراجعة شاملة لواقع حقوق الإنسان بالشكل الذي يجعل هذه الدولة موضوع احترام دولي وليس موضوع إدانة دولية..

فرغم الألم الذي يعتصرني، والحزن الذي يطوقني .. بسبب قرار الإدانة الصادر عن البرلمان الأوربي .. فما يزال يحدوني الأمل من أجل تدارك الأمر، ومعالجة كل هذه العلل التي عرفتها كل المحاكمات والأحكام التي همت الصحفيين وشباب الريف والمدونين .. عندي أمل جاد ، يجب أن نحتفظ به .. ونتمسك به .. من أجل طي صفحات الانتهاكات الناعمة .. من أجل وطن حر وعادل للجميع .. تتحقق فيه الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية ..

لا أريد أن أيأس .. فمع الألم الحاد .. هناك أمل جاد ..

مشاركة