الرئيسية آراء وأقلام عن الترجمة أتحدث.. (الحلقة الخامسة)

عن الترجمة أتحدث.. (الحلقة الخامسة)

كتبه كتب في 7 يونيو، 2022 - 9:00 مساءً

بقلم ذ. نبيل الوهابي

إطار بوزارة العدل

في إطار سلسلة عن الترجمة أتحدث.. وبغية التفاعل مع المستجدات القانونية والتشريعية التي يعرفها ميدان الترجمة بقطاع العدل سنحاول اليوم من خلال الحلقة الخامسة عرض تلك المستجدات التي جاء بها مشروع قانون التنظيم القضائي بعدما نال يومه الثلاثاء 31 ماي 2022 مصادقة مجلس المستشارين بالإجماع.

نستهل حديثنا بالإشارة إلى أن مشروع قانون التنظيم القضائي عرف في مساره التشريعي عدة منعطفات وعدة قراءات وصلت مداها بعد إحالته من طرف الحكومة السابقة على المحكمة الدستورية لمعرفة مدى ملائمة نصوصه لأحكام الدستور وهو ما ردت عليه هذه الأخيرة بقرار عدد 89.19 م.د بتاريخ 8 فبراير 2019 حيث عللت النصوص التي تتنافى مع مبادئ الدستور.

وبالنظر لأهمية قانون التنظيم القضائي كأحد الركائز الأساسية التي تحدد وتأطر العمل القضائي بالمحاكم وكذلك كأحد الركائز الأساسية التي تنظم طريقة التدبير الإداري والمالي للمحاكم. فكان من الطبيعي جدا أن يستمر النقاش حول مشروع التنظيم القضائي لأكثر من سبع سنوات إلى أن حظي بموافقة مجلس المستشارين في قراءته الثانية بعد ترتيب الآثار القانونية على قرار المحكمة الدستورية.

ينص مشروع قانون التنظيم القضائي على إحداث عدد من المؤسسات القضائية الجديدة داخل التنظيم الداخلي للمحاكم. كما يحفل بالعديد من المستجدات القانونية حول طريقة التدبير الإداري والمالي لتطوير أداء المحاكم وتحقيق النجاعة والفعالية.

سنقتصر في هذا البحث بتسليط الضوء على الوظائف والمهن النوعية التي يؤسس لها المشرع من خلال هذا القانون بهدف تحديث الإدارة القضائية.

أشارت ديباجة مشروع القانون أن الهيكل التنظيمي الحالي للمحاكم الإداري وكذلك المالي لم يعد يواكب التطورات المتسارعة التي يعرفها قطاع العدل وبالتالي ضرورة إحداث مكاتب جديدة تستوعب الوظائف الجديدة بالمحاكم لمساعدة القضاء في أداء رسالته.

 مكتب المساعدة الاجتماعية من بين الوظائف النوعية الجديدة بالمحاكم التي نالت مواد تفصيلية من مشروع قانون التنظيم القضائي حول مجال العمل والمهام المنوطة بهذه الفئة من المساعدين الاجتماعيين. حيث ينص مشروع القانون أنه يمارس المساعدون الاجتماعيون المنتمون لهيئة كتابة الضبط مهامهم بمكتب المساعدة الاجتماعية بكل من المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، وحددت مهامهم علاوة على المهام المسندة إليهم بموجب النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، في مهام محددة في قانون التنظيم القضائي بتكليف من الجهات القضائية المختصة.

كما نص القانون المذكور في المادة 22 كيفية تنظيم الهيكلة الجديدة بالمحاكم “تحدد الهيكلة الإدارية للمحاكم بنص تنظيمي بعد استطلاع رأي المجلس الأعلى للسلطة القضائية”

وفي نفس السياق وقياسا على ذلك الأمر بالنسبة للمشرفين على الأمن المعلوماتي والإعلاميات في إطار تحديث الإدارة القضائية من خلال اعتماد الرقمنة والإدارة الإلكترونية للإجراءات والمساطر القضائية.

اللغة والترجمة من خلال مشروع قانون التنظيم القضائي

في هذا الصدد لم يغفل المشرع التأكيد على اللغة العربية كإحدى ثوابت الأمة المنصوص عليها في الفصل الخامس من الدستور الذي أكد على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة وتعمل هذه الأخيرة على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها، وتماشيا مع ذلك وبصيغة أخرى ركز مشروع قانون التنظيم القضائي على اللغة العربية كلغة العمل بالمحاكم من خلال المادة 14، تنص على ما يلي: “تظل اللغة العربية لغة التقاضي والمرافعات وصياغة الأحكام القضائية أمام المحاكم.” كما تنص علىأن “الوثائق والمستندات تقدم للمحكمة باللغة العربية”، بينما الأمازيغية يتم تحديد مراحل تفعيل طابعها الرسمي.

وفي إطار التطور الطبيعي للترجمة بقطاع العدل تحدث مشروع قانون التنظيم القضائي عن صفة الترجمان المحلف بدل صفة الترجمان المقبول لدى المحاكم التي تنص عليها مواد القانون رقم 50.00 المتعلق بتنظيم مهنة التراجمة المقبولين لدى المحاكم، وهذه من المستجدات الأساسية التي جاء بها مشروع قانون التنظيم القضائي: “وفي حالة الإدلاء بالوثائق والمستندات بلغة أجنبية، يمكن للمحكمة أن تطلب إرفاقها بترجمة إلى اللغة العربية مصادق على صحتها من قبل ترجمان محلف”.

قانون التنظيم القضائي يسمو على القوانين الأساسية والنصوص التنظيمية للمهن القانونية والقضائية على اعتبار تراتبية القوانين وبالتالي فاعتماد الصفة الجديدة ترجمان محلف تبقى مسألة وقت إلى حين تعديل وتتميم النصوص الحالية.

هنا لا بد أن نستحضر مرة أخرى أن المملكة المغربية كانت قد صادقت على اتفاقية لاهاي المتعلقة بإلغاء شرط التصديق على الوثائق بين الدول الأطراف المعروفة اختصارا بالأبوستيل، وأصبحت إجراءات المصادقة تتم بالمحاكم الابتدائية تحت سلطة السيد وكيل الملك وكذلك بالكتابة العامة لوزارة العدل تحت سلطة السيد الكاتب العام للوزارة، في انتظار إحداث مصلحة للترجمة ضمن الهيكل التنظيمي للقيام بهذه المهام وباقي المهام التي تدخل في مجال الترجمة.

جدير بالذكر أن المادة 14 ضمنت بالفصل المتعلق بالهيآت القضائية وهو الأمر الذي يستدعي مواكبة المهن القانونية والقضائية والوظائف النوعية لهذه المستجدات من خلال تحيين الإطار القانوني.

حاليا الجمعية المهنية المشرفة على المهنة هي جمعية التراجمة المقبولين لدى المحاكم (التاج) والقانون المنظم لها الجاري به العمل هو قانون رقم 50.00 المذكور أعلاه الذي ينص ضمن مواده على اختصاصات والحقوق والواجبات المتعلقة بالترجمان المقبول لدى المحاكم:

“الترجمان المقبول لدى المحاكم هو وحده المؤهل لترجمة التصريحات الشفوية والوثائق والمستندات المراد الإدلاء بها أمام القضاء وذلك في اللغة أو اللغات المرخص له بالترجمة بها.” المادة 26 من قانون 50.00.

ويضيف في المادة 38: “يحق للترجمان أن يعلق خارج البناية التي يوجد بها مكتبه، أو داخلها، لوحة تحمل اسمه الشخصي والعائلي، وصفته كترجمان مقبول لدى المحاكم وشهاداته الجامعية واللغات المرخص له بالترجمة فيها”.

وفي مقابل ذلك عملت وزارة العدل بعد تعيين أول فوج من الموظفين يعمل بقطاع العدل متخصص في الترجمة على تحديد مهام هذه الفئة من الموظفين في الترجمة وفي الأنشطة التي تدخل في مجال الترجمة من خلال بطاقة الوظيفة النوعية الخاصة بالمترجم القضائي.

فهذه الازدواجية للترجمة كوظيفة نوعية بقطاع العدل من اختصاص الموظفين التراجمة المنتمين لهيئة كتابة الضبط العاملين بمرفق العدل كمؤسسة عتيدة بمؤسسات الدولة الأمر الذي يقتضي احترام التخصص الوظيفي من جهة.

والترجمة كمهنة من المهن القانونية والقضائية المنظمة بموجب القانون رقم 50.00 المتعلق بالتراجمة المقبولين لدى المحاكم من جهة أخرى.

فمن الطبيعي كذلك أن يتم تعميق النقاش اليوم حول كيفية التنزيل السليم لهذه المستجدات لرسم معالم واضحة للمستقل للكفاءات التي تعمل في هذا المجال.

وهناك العديد من الأمثلة الناجحة في ذلك كالطب مثلا حيث تجمع هيئة الأطباء كل من أطباء قطاع العام الذين يعملون بمستوصفات ومستشفيات الدولة وأطباء قطاع الخاص الذين يعملون في المصحات والعيادات الخاصة، مع تمكين كل من الطرفين من حرية العمل في إحدى القطاعين بطريقة اختيارية تبعا لمسطرة معينة دون المساس بصفتهم كأطباء وبجوهر مهامهم الأصلية التي قضوا سنوات من الدراسة والتكوين الأكاديمي والمهني لاكتسابها.

تأسيسا على ذلك من المرتقب إنزال مضامين ما نص عليه مشروع قانون التنظيم القضائي ولا سيما فيما يتعلق بالصفة من خلال تعديل وتتميم القانون الحالي المنظم للمهنة أو إحداث إطار قانوني جديد يرتقي بجمعية التراجمة المقبولين لدى المحاكم من جمعية مهنية ذات منفعة عامة إلى مستوى هيئة للتراجمة المحلفين كوعاء يستوعب مستجدات مشروع قانون التنظيم القضائي وباقي المستجدات المتعلقة بالترجمة كمهنة منظمة وكذلك كوظيفة نوعية ضمن مخططات واستراتيجية وزارة العدل في إطار تحديث الإدارة القضائية ومواكبة التطور النوعي بمنظومة العدالة.

هذا الأمر يحيلنا مرة أخرى إلى كيفية تنزيل مخططات واستراتيجية وزارة العدل بخصوص أعمال الترجمة والمهام التي تدخل في مجال الترجمة بالمحاكم وبمصالح وزارة العدل.

مشروع قانون التنظيم القضائي من خلال المادة 14 السالفة الذكر يحث على العمل لإحداث هيئة التراجمة المحلفين كنقلة نوعية وتطور طبيعي لجمعية التراجمة المقبولين لدى المحاكم شكلا ومضمونا وفرصة كذلك لإيجاد صيغة وضم الموظفين التراجمة المنتمين لجهاز كتابة الضبط الذين يعملون بالمحاكم وبالمصالح المركزية لوزارة العدل واستيعابهم داخل نفس الهيئة وتحقيق التعاون والتكامل المنشود في هيئة واحد هيئة التراجمة المحلفين.

أخيرا يبدو أن إرادة المشرع من خلال سن قانون التنظيم القضائي الجديد تسعى إلى بدأ عهد جديد في تنظيم عمل المحاكم عموما وبدأ عهد جديد في أداء الإدارية القضائية على وجه الخصوص يرتكز على الفعالية والنجاعة في الأداء من خلال تحديد المهام ومجالات العمل بدقة. كما أن المشرع من خلال اعتماد الشخص المناسب في المكان المناسب والعمل بالكفاءات والتخصصات قدم إشارات واضحة للانتقال السلس من مرحلة عرفتها محاكم المملكة وطريقة تدبيرها لسنوات قبل استقلال السلطة القضائية وبداية عهد جديد.

الآن يبدو أن المشرع يفتح الباب لسن هيكلة إدارية ومالية جديدة بالمحاكم يسعى لتحديث الإدارة القضائية وتعزيزها بوظائف نوعية متخصصة وكفاءات قادرة على مواكبة تحديات ومساعدة القضاء في أداء رسالته.

مشاركة