الرئيسية آراء وأقلام “تبون” وكذبة الجزائر الجديدة ؟

“تبون” وكذبة الجزائر الجديدة ؟

كتبه كتب في 6 يونيو، 2022 - 11:54 مساءً

بقلم:عبد السلام اسريفي/ رئيس التحرير

قد لا يختلف إثنان حول النظام بالجزائر الشقيقة في عهد “تبون” ،حول طبيعته،وطرق اشتغاله،وأدواته في تضليل الرأي العام الجزائري وإسكات الأصوات المعارضة ،بل والزج بهم في السجون دون محاكمة.

فبالرجوع الى مرحلة بوتفليقة،كان هناك محاولة الانعتاق من النظام الكلاسيكي،والتوجه نحو نظام منفتح،مجتمعي،قادر على استثمار خيرات البلاد في تنمية المجتمع والنهوض بالقطاعات الأخرى,الأكثر هشاشة،فحمل الحراك خطاب قوي، رفض لكل ما هو قائم، مع المطالبة بتحويل هذا الرفض إلى مشروع سياسي يحقق الانتقال التعاقدي ويجنب الجزائر الانتقال المفروض،فامتد ليشمل الشرق والغرب والشمال والجنوب، بل امتد الى مناطق القبائل مثل البويرة وتيزي وزو وبجاية، والإباضيين في غرداية، وجمع الفئات الاجتماعية بمختلف تنوعاتها الأيديولوجية، والعمرية، والحضرية والريفية، والطبقات الوسطى والطبقات الدنيا في السلم الاجتماعي.

وبعد ثلاث سنوات على تظاهرات شعبية غير مسبوقة ضد السلطة، أسقطت عبد العزيز بوتفليقة، قام الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون( المنتخب )، بإطلاق مبادرة ادعى حينها انها ل“كسر الجمود السياسي”، لكن المعارضة طالبت بإجراءات ملموسة أبرزها الإفراج عن معتقلي الحراك الشعبي،وتحسين الأوضاع الاجتماعية للمواطنين،وربط المسؤولية بالمحاسبة في إشارة الى كسر شوكة الفساد،الذي عرفه قطاع الطاقة،حيث وصلت الإيرادات نهاية عام 2021 إلى 30 مليارا.

وحمل “تبون “ما أسماه،بالجزائر الجديدة، مؤكدا في إحدى خطبه أن الجزائر “قطعت الجزائر خلال الأشهر الماضية، بالرغم من الظرف الصحي الصعب، أشواطا في مسار الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سبيل بناء جزائر جديدة قوية آمنة ومزدهرة”، مشيرا إلى أن بلاده ستنظم استفتاء على مشروع تعديل الدستور لوضع أسس نظام سياسي ديمقراطي يكفل حماية الحقوق والحريات ويحقق التوازن بين مختلف السلطات ويضمن أخلقة الحياة العامة.

لكن، اكتساح المؤسسة العسكرية لكل القطاعات، ضرب مقومات الاقتصاد الجزائري ، ما جعل البلاد تدخل في نفق المشاكل التي من شأنها التأثير على الاستقرار الاجتماعي،وخلخلة أساسات التوازنات،وما الإضرابات والاحتجاجات العمالية التي تمس مختلف القطاعات إلا دليل على الوضع الذي باتت عليه الطبقة الاجتماعية، بسبب الارتفاع الفاحش لمختلف المواد الاستهلاكية وانخفاض قيمة العملة المحلية “الدينار”،وهذا يكشف عن حجم الضرر الذي تسبب فيه اعتماد البلاد على الريع البترولي، وجعل بالتالي الحكومة بسبب عجز الموازنة المتوقع يقدر بـ24.82 مليار دولار، وعجز الخزينة العمومية بنحو 31.04 مليار دولار، العودة إلى الاستدانة الخارجية.

وأمام هذا الوضع، تنادي المعارضة بضرورة إيجاد فرص للإنعاش الاقتصادي، من خلال مراجعة سياسة الدعم الاجتماعي المنتهجة، من دون إغفال ضرورة المسارعة في تحسين مناخ الأعمال، مع مراجعة جذرية للمنظومة المصرفية والضريبية والجمركية ورقمنة الاقتصاد للخروج من الاقتصاد البترولي.

لكن،وحسب بعض المراقبين الدوليين،فالامر بات شديد الصعوبة،خاصة في ظل الأوضاع السياسية بالمنطقة،ودخول الجزائر في صراعات مجانية،أكيد ستكلفها الكثير اقتصاديا،في إشارة الى صرف الملايير على مرتزقة البوليزاريو بمنطقة تندوف ،وبالتالي،وجد النظام العسكري الجزائري نفسه عاجزًا عن إعادة إحياء “التوازن غير المستقر” القديم الذي اتصف به عهد بوتفليقة. ما جعل البعض يعتبر أن التنظيمات السياسية النافذة في عهد تبون مجرد “عامل استقرار مؤقت”.

نتيجةً لذلك، كثيرة هي التطورات السياسية التي عرفتها الجزائر، بما فيها الاستفتاء الدستوري الذي أجري في نوفمبر 2020، التي لم يكن سوى جهود لكسب الوقت وليست حلولاً شاملة للأزمات السياسية الكثيرة في البلاد. والواقع أن المؤسسة السياسية لم تركّز على الإصلاحات المطلوبة لانشغالها بحل قضاياها الداخلية، لا سيما داخل مؤسساتها العسكرية.

هذا ،ولا زال الوضع الاقتصادي يزداد صعوبة ويعقّد أي تطورات سياسية. وفيما تستمر الحكومة في تجاهل أي تأثير كبير للأزمات على الاقتصاد الوطني بما فيها جائحة “كوفيد-19″، وعدم تنويع المداخيل واعتماد الجزائر شبه الكامل على عائدات النفط والغاز لشركة سوناطراك المملوكة للدولة – والتي تمثل 60 % من إجمالي موازنة الدولة.

 كما أن معظم التوقعات، بما فيها توقعات صندوق النقد الدولي، تنطوي على إشارات تحذيرية تنذر بتزايد الاضطرابات الاقتصادية والشكاوى الاجتماعية والاقتصادية. في الوقت نفسه، لا يزال الدينار الجزائري يفقد قيمته مقابل اليورو، ما يعني أن المواد الأساسية المستوردة ستصبح أعلى ثمنًا. لا يزال من المبكر تقييم أثر الوباء بشكل كامل على الوضعين المالي والاقتصادي في الجزائر، لكن المواطنين، وخصوصًا في المناطق الريفية والمحرومة، بدأوا يشعرون بتدهور ظروفهم المعيشية.

قد تكون الانتخابات الرئاسية المقبلة في الجزائر نقطة انطلاق جيدة للتحول الحقيقي نحو الديمقراطية،في حالة تخلي العسكر عن المؤسسة السياسية. ومع بدء عملية التحول هذه، قد تتمكن الجزائر من تنفيذ الإصلاحات اللازمة قبل نفاذ احتياطاتها النقدية من العملة الصّعبة واجتثاث كل عناصر الفساد في دولة يمكن أن تصير قوة اقتصادية في شمال افريقيا ،لما تملكه من موارد بترولية ثمينة،أما الكلام عن الجزائر الجديدة،بقي سجين قصر المرادية،كان الغرض منه،تنويم المعارضة وقبر الحراك الشعبي، الذي طالما نادى بدولة مدنية ديمقراطية وعدالة اجتماعية.

مشاركة